مع بداية العام الميلادي الجديد، تتجدد في قلوبنا مشاعر الأمل والتفاؤل، ويقف الإنسان لحظة تأمل يراجع فيها ما مضى ويستعد لما هو قادم. إنَّ العام الجديد ليس مجرَّد رقم يُضاف إلى عمر الزمن، بل هو فرصة جديدة نفتح فيها صفحة بيضاء نكتب عليها أحلامنا وطموحاتنا، ونسعى فيها لتصحيح الأخطاء وتعزيز النجاحات. يحمل العام الجديد رسالة واضحة مفادها أنَّ التغيير ممكن، وأنَّ الإصرار والعمل هما الطريق لتحقيق الأهداف. ففي كُلِّ يوم جديد فرصة للتعلم، وفي كُلِّ تجربة درس يقوِّي الإرادة ويصقل الشخصيَّة. ومع تجدُّد الأيَّام، تتجدد العزيمة لِنكُونَ أفضل في أخلاقنا، أنقى في نيَّاتنا، وأكثر عطاءً لِمَن حَوْلَنا، سواء في الأُسرة أو المُجتمع أو الوطن.
وفي هذه المناسبة، نتمنى أن يكُونَ العام الجديد 2026 عام سلام ونجاح، تكثر فيه الإنجازات وتسمو فيه القِيَم الإنسانيَّة. فلنستقبل العام بابتسامة وأمل، ولنملأ أيَّامه بالعمل الجادِّ والمحبَّة، مؤمنين بأنَّ الغد يحمل لنا فرصًا أجمل ما دمنا نؤمن بأنفسنا ونسعى نَحْوَ الأفضل. كُلُّ عام والجميع بخير.
يظنُّ بعض الناس أنَّ الاحتفال بالعام الجديد هو احتفال ديني مرتبط بعقائد أو طقوس خاصَّة، بَيْنَما الحقيقة أنَّ هذا الاحتفال في جوهره ليس دينيًّا، بل هو مناسبة زمنيَّة مرتبطة ببدء عام ميلادي جديد نؤرّخ به جميعًا شؤون حياتنا المختلفة. فالتقويم الميلادي هو نظام زمني عالمي تُنظم على أساسه الأعمال، والدراسة، والاقتصاد، والعلاقات الدوليَّة، دون أن يكُونَ ذلك بالضرورة تعبيرًا عن انتماء دِيني أو ممارسة عقائديَّة.
إنَّ العام الميلادي هو وسيلة لقياس الزمن، تمامًا كما هو الحال مع أيِّ تقويم آخر استخدمه البشر عَبْرَ التاريخ وقد اعتمدته معظم دول العالم كتقويم رسمي لِمَا يتميَّز به من دقَّة وانتشار، لا لأنَّه يُمثِّل شعيرة دينيَّة، بل لأنَّه أصبح لُغة زمنيَّة مشتركة بَيْنَ الشعوب. فنحن نستخدمه في تحديد المواعيد، وتوثيق الأحداث، وتنظيم السنوات الدراسيَّة، والعقود، والوظائف، دون أن يحمل ذلك أي بُعد تعبُّدي.
والاحتفال ببدء العام الجديد لا يتجاوز كونه تعبيرًا إنسانيًّا عن الفرح بتجدد الزمن، وفرصة للتأمل فيما مضى واستقبال ما هو آتٍ بروح من الأمل والتفاؤل. فالناس في هذه المناسبة يتبادلون التهاني، ويضعون خططًا جديدة، ويعقدون العزم على تحسين حياتهم، وهي معانٍ إنسانيَّة عامَّة لا ترتبط بدين مُعيَّن. كما أنَّ مظاهر الاحتفال تختلف من مُجتمع إلى آخر، فبعضها يكتفي بالكلمات الطيبة والدعاء، وبعضها يتخذ طابعًا اجتماعيًّا أو ثقافيًّا، وكُلُّها تعبيرات بشريَّة عن قِيمة الزمن وأهميَّته.
ومن المُهمِّ التفريق بَيْنَ الاحتفال الزمني والاحتفال الدِّيني؛ فالأعياد الدِّينيَّة ترتبط بعقائد وشعائر محدَّدة، ولها طقوس خاصَّة تُعبِّر عن الإيمان والعبادة، أمَّا الاحتفال بالعام الجديد فلا يتضمن أيَّ شعائر دينيَّة مُلزمة، ولا يُطلب فيه أداء طقوس تعبُّديَّة، بل هو حدث تقويمي بحت. ولهذا فإنَّ المشاركة فيه أو تهنئة الآخرين به لا تعني تبنِّي معتقد دِيني مُعيَّن، وإنَّما هي مشاركة إنسانيَّة في مناسبة زمنيَّة مشتركة.
كما أنَّ التاريخ يشهد بأنَّ الأُمم والشعوب المختلفة كانت تحتفل ببدايات السنوات وفق تقاويم متعددة، دون أن يكُونَ ذلك بالضرورة ذا طابع دِيني. فالإنسان بطبيعته يحبُّ البدايات، ويرى فيها فرصة للتغيير والتجديد، وهذا ما يُمثِّله العام الجديد في الوعي الجمعي للبشر.
وخلاصة القول، إنَّ الاحتفال بالعام الجديد ليس احتفالًا دينيًّا، بل هو مناسبة زمنيَّة عالميَّة مرتبطة ببدء عام ميلادي نؤرخ به جميعًا حياتنا وأعمالنا. وهو فرصة لمراجعة الذَّات، وتجديد الأمل، والتطلع إلى مستقبل أفضل، في إطار من القِيَم الإنسانيَّة المشتركة الَّتي تجمع البشر على اختلاف أديانهم وثقافاتهم.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@