خلال كتابة هذه السطور لم يتمَّ الإعلان رسميًّا عن «نتائج نهائيَّة» أو اتفاقات موقَّعة (قد تتضح أكثر لاحقًا) تخصُّ تفاصيل البنود المتفق عليها للمرحلة الثَّانية من اتفاقيَّة وقف إطلاق النَّار في غزَّة خلال اللقاء الَّذي عُقد في فلوريدا بَيْنَ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء الكيان المحتل مُجرِم الحرب الـ(نتنياهو) حسب قرار محكمة العدل الدوليَّة، وإن كان المتداول يشير إلى استمرار التَّنسيق السِّياسي والأمني بَيْنَ واشنطن و»تل أبيب»، ليتصدَّر واجهة النقاش السِّياسي، مع تداخل الاعتبارات الأمنيَّة بالحسابات السِّياسيَّة والانتخابيَّة لدى الطَّرفين. فاللقاء الَّذي بدا في ظاهره محملًا برسائل تفاؤل وتأكيدات على التَّفاهم، كشف في عُمقه عن تباينات حادَّة، ومقايضات محتملة، وألغام مؤجَّلة قد تُعِيد رسم مسارات الصِّراع في المنطقة، وسط محاولات رئيس وزراء الكيان المحتل ليّ ذراع ترامب، لتكريس وقائع ميدانيَّة وأمنيَّة، في ظلِّ واقع فلسطيني مأزوم، يتمثل في محاولة لنزع سلاح المقاومة الفلسطينيَّة في غزَّة، ووضع مشاريع بناء لا تشمل الفلسطينيين وتجميل هذه المشاريع بعناوين (ازدهار وإعمار غزَّة).
قَبل الاجتماع المنعقد في فلوريدا كان المعلَن عن المرحلة الثَّانية لوقفِ إطلاق النَّار بغزَّة والَّتي تُعدُّ تكملة وتوسيعًا للمرحلة الأولى الَّتي قادتْ إلى وقف إطلاق نار جزئي هشٍّ في أكتوبر 2025، تنطوي على انسحاب قوَّات جيش الاحتلال (الإسرائيلي) بالكامل من غزَّة، وحسب طرح الـ(نتنياهو) وهو أحد أهدافه الأساسيَّة الَّتي يطرحها وفْقَ خطَّة ترامب هي محاولة القضاء على قدرات المقاومة الفلسطينيَّة (حماس) العسكريَّة داخل القِطاع، إنشاء حُكم انتقالي فلسطيني تَقُوده تكنوقراط بدل حماس، مع نشر قوَّة أمنيَّة دوليَّة (مماثلة لقوَّة حفظ سلام) لضمان الاستقرار!! ودخول مساعدات واسعة وإعادة إعمار ما دُمر من بنى أساسيَّة. وهناك أسباب تواجه صعوبة تنفيذ تلك المرحلة أهمها اليمين المتطرف لدى العدوِّ المحتل الَّذي يرفض انسحابًا أوسع أو تقليل الوجود العسكري، معتبرًا ذلك تنازلًا خطرًا يعطي المقاومة مكاسب سياسيَّة. وفي المقابل فإنَّ اشتراط نزع السلاح قَبل التَّقدُّم، جعل المقاومة الفلسطينيَّة (حماس) ترفض التَّخلِّي الكامل عن أسلحتها قَبل ضمانات أمنيَّة وسياسيَّة.
إنَّ احتمال خروج الاجتماع الَّذي يعقد في فلوريدا دُونَ التَّوصل إلى اتفاق وتعثُّر التَّنفيذ العملي للمرحلة الثَّانية كبير، ورُبَّما يتمُّ الإعلان عن «اتفاق سياسي» في إطار عام يتبعه تكثيف المفاوضات لاحقًا، لكن بِدُونِ توقيع أو جدول زمني واضح لتنفيذ المرحلة الثَّانية. سينتج عنه «هدنة موسَّعة» مؤقتة بسبب خلافات حقيقيَّة، منها ما هو معلن، ومنها ما هو غير معلن، خصوصًا أنَّ رئيس وزراء الكيان المحتل وحكومته المتطرفة لا تسعى إلى السلام، بل إلى تأجيج الصراع في المنطقة وتوسعته من أجلِ أهداف عديدة أبرزها ما أعلن عن حلم «إسرائيل» الكبرى والقضاء على القضيَّة الفلسطينيَّة، وفتح جبهات جديدة من الصراعات في المنطقة، وسط استسلام واضح للخطط الصهيونيَّة بتقسيم بعض الدول، وزرع فتيل الأزمات بها وتأجيج الصراعات الداخليَّة وإضعاف البعض الآخر، خصوصًا الدول المؤثِّرة في الإقليم في سبيل تمهيد الطَّريق لحلم (إسرائيل الكبرى)، مما يعني أن اجتماع فلوريدا لن يخرج بنتائج إيجابيَّة لوجود هذا التَّناقض الجوهري في المصالح، فالولايات المُتَّحدة تريد إحراز تقدُّم دبلوماسي، وحكومة الكيان المحتل تتماشى مع لوبيَّات ضغط داخلي قويَّة لها أهداف متطرفة، والمقاومة الفلسطينيَّة (حماس) تريد ضمانات قَبل التَّخلي عن سلاحها، ما يعني أنَّ نتيجة لقاء فلوريدا من المرجَّح أن تكُونَ إطارًا سياسيًّا دُونَ اتفاق تنفيذ نهائي لِتبقَى الألغام مؤجلة.
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن»