في الوقت الَّذي يخطو فيه المرء الخطوات الأولى عَبْرَ تيَّار الزَّمن الجاري، في عام 2026م، فإنَّه لا بُدَّ أن يشعرَ بأنَّه ليس وحده، وأنَّ هناك الملايين، و»التريليونات» من أشقَّائها، أبناء الأُسرة الآدميَّة، يشاركونه فتح صفحة 2026، بالكثير من القرارات والتَّمنِّيات والأحلام (على المستويين الفردي والجماعي)، إذ مرَّتِ السَّنة السَّابقة بسرعة، محمَّلةً بركام الضَّغائن والأحقاد الَّتي تجسَّدتْ على نَحْوٍ لا يَقبل الشَّك فيما فعلته ماكينة الدَّمار «الإسرائيليَّة» برئاسة مُجرِّم الحرب، نتنياهو، لِتفتكَ بإخواننا في مدينة غزَّة حتَّى تمَّ مَحْوُها، فهي الآن لا تزيد عن ركام من بقايا دُور وبنايات شهدتْ قصص حُب وعيش مشترك، لها بداية، ولكن ليس لها نهاية. وعلى عكس ما يأمله مديرو تلك الماكينة العسكريَّة «الإسرائيليَّة» العمياء والصمَّاء الَّتي لا تُميِّز بَيْنَ ما يبَيِّنه الإنسان وما يخرِّبه: وبدلًا عن «الإنسان»، ذلك الباني العظيم، قدَّمت حكومة الكيان الصُّهيوني المبتلاة بأحقاد دينيَّة وعنصريَّة طالت عشرات الآلاف من السِّنين، بل والقرون حتَّى استقرَّتْ بتشكيل جديد لموازين القوَّة، القوَّة العمياء الَّتي لا تُميِّز بَيْنَ الإنسان (ذلك البنَّاء العظيم)، وبَيْنَ أشباه الإنسان (ذلك المخرب الحقود المتعامي) !
وإذا ما كان عالمنا لم يزلْ يئنُّ تحت رماد الحروب وآلام الاستغلال؛ بسبب تمكُّن القوي على الضَّعيف، والغني على الفقير، فلا بُدَّ من اللَّوذ بعالم التَّمنِّيات والأحلام من أجْلِ بلوغ عالم جديد تَسُوده قِيَم الحُب والتَّعاون، بديلًا عن قِيَم الغاب والتَّنافس وسيادة القوَّة، عالم من نَوْع ذلك العالم المستحيل. الَّذي رسمَه الشَّاعر الإنجليزي، العملاق «وليام موريس» « Morris في كِتابه الحلمي (أنباء من اللامكان) News from Nowhere واللامكان، Utopia وهو اللامكان الَّذي يحلم به «الطَّوباويون» من أفلاطون Plato حتَّى أصحاب الرؤى الإنسانيَّة العظيمة من أمثال موريس نفسه وسواه من «رسل الحُب» و»أنبياء الفضائل» الَّذين غالبًا ما تطوى صفحات حياتهم الفاضلة من قِبل الأنانيين الَّذين يغلِّبون مصالح الذَّات الأنانيَّة النَّفْس على مصالح الجماعة، ويغلِّبون قِيَم التَّملُّك والاستحواذ على قِيَم التَّشارك والتَّعاون، ثم يغلِّبون قِيَم القبح على قِيَم الجَمال والمَحبَّة !
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي