الجمعة 02 يناير 2026 م - 12 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

ربع قرن مضطرب

ربع قرن مضطرب
الأربعاء - 31 ديسمبر 2025 07:50 ص

د.أحمد مصطفى أحمد

20


بنهاية عام 2025 انتهى الرُّبع الأوَّل من القرن الحادي والعشرين، والَّذي شهد اضطرابات متعدِّدة على كافَّة الأصعدة من السِّياسة إلى الاقتصاد إلى كافَّة مناحي نشاط البشريَّة تقريبًا. بعض تلك التَّغيُّرات بدأ في الرُّبع الخير من القرن الماضي، واستمرَّ وترسَّخ في رُبع القرن المنصرم. فمنذُ ثمانينيَّات القرن الماضي هناك تحوُّل في السِّياسة داخل الدول وفي العلاقات الدوليَّة أصبح أكثر وضوحًا في القرن الحالي. من أهم ملامح ذلك التَّغيُّر غياب التَّمايز بَيْنَ اليسار واليمين في السِّياسة، مع تركُّز كُلِّ القوى السِّياسيَّة في الوسط. وتزامن ذلك مع بروز جماعات كانت هامشيَّة لِتصبحَ مؤثرة في السِّياسات العامَّة عَبْرَ تغيير القوانين والقواعد. في رُبع القرن المنصرم، أدَّى تركُّز القوى السِّياسيَّة التَّقليديَّة في الوسط إلى بروز قوى الأطراف، خصوصًا ناحية اليمين. وهكذا شهدنا وصول اليمين المتطرف والتيَّارات الشَّعبويَّة الَّتي يقترب بعضها من العنصريَّة إلى السُّلطة في عدَّة دول كبرى، خصوصًا في الولايات المُتَّحدة وأوروبا.

بالتَّوازي مع تلك التَّغيُّرات السِّياسيَّة كانت هناك تغيُّرات اجتماعيَّة واضحة أهم ملامحها تآكل الطَّبقة الوسطى في المُجتمعات التَّقليديَّة. تلك الطَّبقة الَّتي كانت الأساس الَّذي تبنى عليه الدَّولة الوطنيَّة وتعزِّز ما تُسمَّى «الديموقراطيَّة التَّمثيليَّة» كوسيلة نموذجيَّة للحُكم. وبالتَّالي ضعفت الثِّقة في العمليَّة الديموقراطيَّة ونال منها أكثر محاولات هوامش اليمين واليسار ضرب ما عدُّوه «مؤسَّسات الدَّولة العميقة». انعكس كُلُّ ذلك أيضًا على السِّياسة الدوليَّة مع تدهور النِّظام الَّذي ترسَّخ بعد الحرب العالميَّة الثَّانية وخلال الحرب الباردة وكانت تضمنه مؤسَّسات دوليَّة مثل الأُمم المُتَّحدة. تراجع كُلُّ ذلك وأصبح ضعيف التَّأثير في ظلِّ محاولات «تقنين» التَّدخل الاستباقي من قِبل الأقوى في شؤون الدول الأقل قوَّة تحت شعارات مزيَّفة غالبًا، وفي محاولة لتمييع فكرة «السِّيادة الوطنيَّة». بالطَّبع لا يُمكِن فصل تلك التَّغيُّرات عن تغيُّرات اقتصاديَّة رُبَّما خفَّف من أثرها ما شهده العالم من «العولمة التَّجاريَّة» وفي مجال حركة رأس المال والعمَّال. إلَّا أنَّ ذلك العامل الملطّف للتغيُّرات الاقتصاديَّة ـ الاجتماعيَّة تراجع بشدَّة في رُبع القرن المنتهي، خصوصًا قرب نهايته مع سياسات الحمائيَّة والانعزاليَّة من قِبل قوى رئيسة.

بدأ رُبع القرن المنصرم بأزمة ماليَّة عالميَّة عُرفت بأزمة «دوت كوم» مع انهيار شركات الإنترنت الَّتي شهدت فورة في السَّنوات الأخيرة من القرن الماضي. كما بدأ رُبع القرن بأكبر عمليَّة تغوُّل على السِّيادة الوطنيَّة بحرب غزو واحتلال العراق تحت ذرائع كاذبة كما اتضح فيما بعد. ولم يكَدْ ينقضي العَقد الأوَّل من هذا القرن إلَّا وشهد العالم أزمة ماليَّة عميقة عام 2008 نتيجة انهيار سوق العقار في الولايات المُتَّحدة وإفلاس بنوك ومؤسَّسات ماليَّة. وفي تعامل العالم مع تلك الأزمة بدا واضحًا أنَّ التَّغيُّرات السِّياسيَّة والاجتماعيَّة الَّتي بدأتْ في القرن الماضي قد أصبحت راسخة. فبدلًا من إصلاحات جذريَّة للنِّظام المالي والاقتصادي وتخليص النِّظام من عيوبه الهيكليَّة الَّتي من إحدى نتائجها الجانبيَّة زيادة الأثرياء غنًى والفقراء فقرًا، قامت الحكومات باستخدام أموال دافعي الضرائب من المواطنين العاديين لإنقاذ البنوك والمؤسَّسات المتعثرة. ومنذُ ذلك الحين تسارع تعميق الفجوة بَيْنَ الأثرياء والفقراء في العالم مع ضمور الطَّبقة الوسطى إلى حدِّ التَّلاشي.

ما أن انتهى العَقد الأوَّل من القرن الحالي حتَّى شهدتْ عدَّة دول في منطقتنا احتجاجات شَعبيَّة أطاحت بحكومات وأشعلت حروبًا داخليَّة في بعض الدول ما زالت آثارها باقية حتَّى الآن. تزامن ذلك مع حركات احتجاج في مناطق أخرى من العالم، خصوصًا في الولايات المُتَّحدة والغرب، مثل حركات «احتلوا وول ستريت» وغيرها. مثَّلت تلك الحركات، بالإضافة لحركات «امنعوا الحروب» وغيرها الَّتي انطلقت منذُ بداية القرن، عرضًا واضحًا لعلَّة التَّغيُّرات السِّياسيَّة والاقتصاديَّة العميقة الَّتي تقضي على الطَّبقة الوسطى. لكنَّها كُلَّها لم تكُنْ مؤثِّرة بالقدر الَّذي يوقف مسار التَّغيُّر الَّذي بدأ القرن الماضي أو حتَّى تعدل توجّهه بقدر ملموس. ومع نهاية العَقد الثَّاني من هذا القرن أُصيب العالم كُلُّه بالشَّلل نتيجة وباء كورونا الَّذي ما زالت آثاره الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة لم تنتهِ بعد. ومرَّة أخرى كانت أزمة الوباء عام 2020 كاشفة بوضوح لتعمق التَّغيُّرات السِّياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة الَّتي تطوَّرت خلال القرن الحادي والعشرين.

طبعًا لا تقتصر الاضطرابات في رُبع القرن المنتهي على ما ذكرنا من أمثلة، إنَّما اخترنا في هذه المساحة الضيِّقة الإشارة إلى الاضطرابات الأهم والأبرز والَّتي كان تأثيرها واسعًا يطول العالم كُلَّه تقريبًا. منذُ نهاية الحرب الباردة والنِّظام العالمي ثنائي القطب في مطلع ثمانينيَّات القرن الماضي والكُلُّ يتحدث عن «نظام عالمي جديد». لم يتشكلْ ذلك النِّظام بعد، وطالت فترة المخاض الَّتي غالبًا ما تتضمن اضطرابات نهاية القديم وبدء الجديد. وفي ضوء ما شهدناه خلال الرُّبع الأوَّل من هذا القرن لا يبدو أنَّ هناك ملامح واضحة لأيِّ نظام عالمي جديد. كما أنَّ الاضطرابات طالت كثيرًا من القواعد والأُسُس التَّقليديَّة الَّتي كانت تميِّز نُظُم الحُكم في الدول المستقلَّة ذات السِّيادة وتضبط السِّياسات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة المرتبطة بذلك. ويدخل العالم ودوَله ومُجتمعاته الرُّبع الثَّاني من القرن الحادي والعشرين والكُلُّ في وضع «سيولة» أكبر دُونَ أيِّ بوادر على ميلاد جديد.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]