الجمعة 02 يناير 2026 م - 12 رجب 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : الطفولة فـي عالم مضطرب: كيف تعيد الأسرة تصحيح تشاؤمية الصورة نحو مستقبل أكثر إشراقا وأمانا؟

في العمق : الطفولة فـي عالم مضطرب: كيف تعيد الأسرة تصحيح تشاؤمية الصورة نحو مستقبل أكثر إشراقا وأمانا؟
الثلاثاء - 30 ديسمبر 2025 08:15 ص

د.رجب بن علي العويسي

170

في ظل ما يشهده العالم اليوم من أحداث دامية، وما يتعرض له الشَّعب الفلسطيني في غزَّة على وجْه الخصوص من إبادة وحشيَّة وقتل ممنهج للأطفال والأبرياء، وتدمير للمساجد والمدارس والمستشفيات، وتجويع جماعي، ومنع متعمد للغذاء والدواء، وما تبثُّه قنوات الإعلام على مرأى ومسمع العالم من قتل للحياة وتدمير لمرافقها دون أن يتحرك العالم، بل أصبح مشاركًا في الإجرام ومساهمًا في المأساة في سكوته عنها وصمته عمَّا يجري من وأدٍ لكُلِّ المشتركات الإنسانيَّة؛ تتشكل في العقل الباطني للطفولة صورة مشوَّهة للإنسان ولمنظومة القِيَم والأخلاق الَّتي يروَّج لها بوصفها حامية للحقوق والعدالة، وهو ما يترك أثرًا نفسيًّا وفكريًّا عميقًا في وعي الطفولة، ويُعِيد تشكيل قراءتها إلى العالم المعاصر باعتباره فضاءً غير آمن، تحكمه القوَّة لا المبادئ، والمصالح لا القِيَم، ويزداد تفاقم هذه الصورة القاتمة وأثرها السلبي في ظل سياسة الكيل بمكيالين وازدواجيَّة المعايير الدوليَّة، وصمْت المنظَّمات الدوليَّة المعنيَّة بحقوق الإنسان والمرأة والطفولة بَيْنَما تغيب هذه الفئات عندما يتجه الحقُّ للشرق الأوسط ودول العالم الثالث، وتبرير العنف والقتل والتدمير تحت مسوِّغات سياسيَّة ما أنزل الله بها من سُلطان، في مقابل انشغال قِطاعات واسعة من المُجتمعات، وبشكل خاص في الفضاء الرقمي، بثقافة الاستهلاك والمظاهر والتنافس المادي، وترويج نماذج سطحيَّة للنجاح، بما يُسهم في تعميق الفجوة القِيَميَّة، ويُغيّب القدوات الوالديَّة والأُسريَّة التربويَّة والإنسانيَّة عن وعي الأجيال الناشئة.

على أنَّ هذا الواقع أسهم في تعميق فجوة الاغتراب القِيَمي والأخلاقي، ونشر ثقافة السلبيَّة وعدم المبالاة، وظهور اضطرابات فكريَّة وعقائديَّة، خصوصًا في ظل الاعتماد الكُلِّي على التقنيَّة ومنصَّات التواصل الاجتماعي في توجيه النشء وتغييب دَوْر الوالديَّة والضبط الأُسري والاجتماعي، وما تبعه من ضعف ثقافة الحوار الأُسري، وتغييب القدوات والنماذج الأُسريَّة في المحافظة على النسيج الاجتماعي واهتزاز موقع المرأة في التربية؛ الأمر الَّذي أدَّى إلى تحدِّيات غير مسبوقة أمام الأُسرة، الَّتي باتتْ مطالَبةً اليوم بإعادة تعريف دَوْرها التربوي في ظلِّ فضاءات مفتوحة تتدفق فيها الصوَر والمشاهد والأخبار دُونَ ضوابط، وتصل إلى الطفل في لحظتها، متجاوزةً قدرته النفسيَّة على الفَهْمِ والاستيعاب، ولم تَعُد التربية الوالديَّة تقتصر على الرعاية والحماية، بل أصبحت عمليَّة واعية لإعادة إنتاج السلوك الاجتماعي والنفْسي والعاطفي والفكري للطفولة في ظلِّ مشاهد مُرعبة وظروف قاسية، ومساعدة الأبناء على فَهْم ما يجري من حَوْلَهم دُونَ تزييف أو تهويل، وبما يحفظ توازنهم النفْسي، ويمنحهم أدوات التفكير النقدي، ويجنِّبهم الوقوع في فخِّ التطبيع مع العنف أو عدم المبالاة الإنسانيَّة. وهو أمر يتطلب دَوْرًا احترافيًّا للأُسرة ـ الحضن الأول الَّذي يتلقى فيه الطفل نموذجه الحياتي للعيش في واقعه المتغير ـ عَبْرَ إعادة هندسة بناء الأُسرة العُمانيَّة؛ لِتكُونَ أكثر وعيًا بِدَوْرها المعرفي والفكري والوجداني، وأكثر قدرة على الإجابة على التساؤلات الَّتي يطرحها عالم الطفولة في تفسيره لِمَا يجري حَوْلَه، وأكثر حضورًا في صناعة وعي الطفل وفلسفة بنائه؛ باعتباره شريكًا في الفَهْمِ والتأمل وبناء المواقف وليس متلقيًا سلبيًّا وصامتًا.

إنَّ إعادة الاعتبار للطفولة باعتبارها مكوِّنًا تنمويًّا أصيلًا، يتطلب بداية إعادة الاعتبار للأُسرة وتعزيز دَوْرها في صناعة منتج الطفولة، وفي المقابل توسيع نطاق البرامج المعنيَّة بالتثقيف، والترفيه الهادف، والتوجيه، والبناء القِيَمي، بما يعزز حضور الطفولة العُمانيَّة في مشروع التنمية الوطنيَّة، ويُبرز مواهبها، ويصقل مهاراتها، ويحوِّل طاقاتها إلى قوَّة ناعمة قادرة على التفاعل الإيجابي مع عالم متغير، وعَبْرَ رفع درجة الاستثمار في الطفولة؛ باعتباره مدخلًا رئيسًا لتحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، خصوصًا ما يتعلق منها بالتعليم النَّوعي، وبناء الهُوِيَّة الوطنيَّة، وتعزيز قِيَم المواطنة، والسَّمت العُماني، والرَّفاه الاجتماعي، والشراكة المُجتمعيَّة، وأخلاق الإنسان، وإعادة الاعتبار للاحتواء العائلي وجلباب الأُسرة والوالديَّة؛ باعتبارها مرتكزات جوهريَّة بناء طفولة اليوم شباب المستقبل الَّذين عليهم قيادة التغيير، وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا وتوازنًا.

وفي الوقت نفسه فإنَّه لا يُمكِن تناول هذا المسار بمعزل عن الظواهر الفكريَّة والمخاطر الاجتماعيَّة الَّتي باتتْ تهدِّد الطفولة، فإنَّ الارتفاع المقلق في حالات التنمُّر والعنف في المدارس ـ رغم عدم وجود الإحصائيَّات الدقيقة ـ، وكذلك التحرش الجنسي بالأطفال، حيثُ تشير الإحصائيَّات إلى ارتفاع عدد الجرائم الواقعة على الأطفال في سلطنة عُمان في عام 2024، ووصل عدد القضايا المرتبطة بالأطفال إلى (1325) قضيَّة، حيثُ كانت جرائم: التحرش وهتْك العِرض بالطفل أعلاها وبلغت أكثر من (399) حالة؛ وهو ما يفرض مسؤوليَّة جمعيَّة مشتركة في تعزيز منظومات الحماية الاجتماعيَّة للطفولة، وتكثيف برامج التوعية الأُسريَّة والمدرسيَّة، وبناء ثقافة مُجتمعيَّة تَقُوم على الوقاية والتمكين وكسر حاجز الصَّمت، بما يَضْمن للطفل حقَّه في الأمان الجسدي والنفَسي. وفي هذا الإطار، تتعاظم مسؤوليَّة المنظَّمات الدوليَّة، في إطار اتفاقيَّة حقوق الطفل، في الانتقال من الخِطاب الحقوقي إلى الفعل الميداني، وتعظيم الشراكات الدوليَّة لحماية الطفولة، ودعم برامج التعافي النفْسي، ومواجهة الآثار التراكميَّة الَّتي خلَّفتها الحروب والصراعات والنزاعات الممتدَّة، والَّتي باتتْ تهدِّد جيلًا كاملًا بفقدان الثقة في هذا العالم الَّذي تنتهك فيه القِيَم والمشتركات وتنحر في الإنسانيَّة وبراءة الطفولة.

لذلك فإنَّ التحدِّي الحقيقي الَّذي تواجهه الطفولة لا يُمكِن أن يتحقق بحجب هذه الأحداث المؤلمة عن الأبناء، ولا في تعريضهم لصدمة الواقع دُونَ بناء أدوات فَهْم وتقييم لِمَا يجري من أحداث، بل في القدرة على مساعدتهم في قراءة ما صنعته أيادي الكبار من مآسٍ قراءة واعية، إنسانيَّة، ناقدة، وأن تؤدي مؤسَّسات التعليم دَوْرها في بناء المهارات الناعمة القائمة على التحليل والنقد والتشخيص والرصد بالشكل الَّذي يَضْمن أتقان الأجيال لُغة حواريَّة إعلاميَّة تواصليَّة تحوّل الألم إلى وعي، والصدمة إلى دافع، والخوف إلى مسؤوليَّة، وتزرع فيهم الإيمان بالله والإرادة بإمكانيَّة التغيير، وتعظيم مسار القِيَم والأخلاق لدَيْهم، ورفع الاستحقاق القرآني في نفوسهم بتشريبهم مواعظ القرآن الكريم وعِبره وأحداثه، والقدرة على الإسهام في بناء عالم أكثر عدلًا ورحمة.

إنَّ تحقيق هذا التحوُّل في قناعات الطفولة وتصحيح تشاؤميَّة الصورة نَحْوَ مستقبل أكثر إشراقًا وأمانًا يستدعي اليوم جهدًا وطنيًّا، وعملًا مؤسَّسيًّا، تتشارك فيه منظومات الدولة التشريعيَّة والقضائيَّة والتنفيذيَّة، ويتجه إلى إعادة هندسة بناء الأُسرة العُمانيَّة وردّ الاعتبار إليها؛ لِتكُونَ أكثر وعيًا بِدَوْرها المعرفي والتربوي والأخلاقي والإنساني، وأكثر قدرة على احتضان الطفولة، وإعادة صياغة هذه الأحداث في وعي الطفولة بطريقة تحمي هُوِيَّتهم، وتصون إنسانيَّتهم، وتعزز ثقتهم بذواتهم وبمُجتمعهم، وتمنحهم الأمل في مستقبل أفضل، ينطلق من الإنسانيَّة، ويلتزم بقِيَم الحقِّ والعدل، ويؤمن بحقِّ الطفولة في الحياة والكرامة؛ فإنَّ تعزيز الاهتمام بالطفولة العُمانيَّة يتطلب التوسع في برامج التثقيف، والترفيه الهادف، والتَّوجيه، والبناء القِيَمي، وإبراز المواهب، وصقل المهارات، وتمكين الأطفال من التعبير عن ذواتهم والمشاركة في صناعة واقعهم، بما يحوِّل طاقاتهم إلى قوَّة ناعمة قادرة على مواجهة التحدِّيات، والتفاعل الإيجابي مع عالم يعجُّ بالمنغِّصات والاضطرابات. فالطفولة الواعية، المتوازنة نفسيًّا وقِيَميًّا، هي الرهان الحقيقي لتحقيق التنمية المستدامة، وبناء اقتصاد المعرفة، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وصناعة أجيال قادرة على القيادة والابتكار وتحمُّل المسؤوليَّة، وترسيخ قِيَم المواطنة الَّتي تعزز فيها دوافع الحُب والانتماء، ورصد مبادراتها، وتمكينها من النُّمو، والوصول بها إلى مستوى التمكين والريادة، وما تشهده من تحوُّل في بنيتها الفكريَّة، ونُمو في تعبيراتها الوطنيَّة.

أخيرًا، فإنَّنا مطالبون اليوم أكثر من أيِّ وقت مضى بمراجعة الأدوات والطرائق والوسائل والأساليب الَّتي تمتلكها الطفولة وتمكينها عَبْرَ مساحة أكبر من التنوع في الخيارات من رصد أحداث العالم، وقراءة ما يَدُور فيه في إطار من الوعي والنقد والاحترافيَّة، وإعادة هندسة المسار العالمي، وفي المقابل أن يحترم الكبار ومنصَّات الإعلام ووسائله المختلفة حقوق الطفولة وعالمهم الطفولي البريء، وعدم الزجِّ بهم في صراعات الكبار، أو تحميلهم أخطاء الحاضر، ليكُونُوا قادرين على اختيار طريقهم للعيش في عالم جديد يَضْمن لهم الاستدامة، والكرامة، والسلام، ويمنحهم القدرة على صناعة مستقبل أكثر إنسانيَّة وعدلًا واحتواء.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]