ما زلتُ أذكر قلق والدَي وزملائهما من المثقفين في عصرهم على ضياع اللُّغة العربيَّة وعلى هجر الشَّباب للثقافة والأدب العربي، حيثُ ظهر في هذه المرحلة نداءات تنتقد المتحدثين باللُّغة العربيَّة الفصحى وتشجِّع على التحدث باللُّغة العاميَّة، حتَّى أنَّك تجد في بعض الأفلام العربيَّة يصورون المتحدث باللُّغة العربيَّة الفصحى تصويرًا كاريكاتيريًّا ساخرًا، وبدأ المذيعون ومقدِّمو البرامج التلفزيونيَّة الإذاعيَّة بالعدول عن التحدث باللُّغة العربيَّة الفصحى واستخدام اللُّغة العاميَّة أو ما يسمُّونها باللُّغة البيضاء وهي لغة عربيَّة فصحى مخلوطة بكلمات عاميَّة دارجة في جميع اللهجات العربيَّة، وشاع في تلك الفترة الأخطاء اللُّغويَّة لدى المتحدثين.
ما زلتُ أذكر أحاديث والدَي ونقاشاتهما مع أمثالهما من المثقفين حيثُ كانا ينتقدان العزوف عن استخدام اللُّغة العربيَّة الصحيحة، ويبديان خوفهما من ضياع لُغة القرآن.. ومن دواعي مخاوفهما، ظهور الشِّعر الحُر وتخلِّي البعض عن الالتزام بضوابط الشِّعر وأهمّها الوزن والقافية؛ فالتزام الشاعر بهذه الضوابط الشعريَّة دليل على تمكُّنه اللُّغوي وقوَّة مهاراته في تطويع اللُّغة لأفكاره، وكانوا يقولون إنَّ اللُّغة هي وعاء للفكر، فمَن كان وعاؤه ضعيفًا فسيُكسَر عندما يحتوي فكرًا قويًّا، فعندما تغيب اللُّغة سيغيب الفكر.. ولَكَم شهدتُ حوارات بَيْنَ المعارضين والمؤيِّدين للشِّعر الحُر، وكان المعارضون للشِّعر الحُر يشفقون على أبناء جيلهم من ضياع لُغتهم، أمَّا المؤيِّدون للشِّعر الحُر فيرون أنَّ المستقبل أمامهم، وأنَّ الشِّعر الكلاسيكي سيندثر، فلن يكُونَ هناك شعراء ذوو كفاءة لُغويَّة تمكِّنهم من الالتزام بضوابط الشِّعر من وزن وقافية. وتمرُّ الأيَّام والسنون ويستمرُّ هذا الصراع من أوائل السبعينيَّات حتَّى بداية هذه الألفيَّة، كنَّا نظنُّ حينها أنَّ الغلبة لأتباع الشِّعر الحُر إلَّا أنَّه ظهر جيل من الشعراء مَن يكتبون الشِّعر المنضبط بالوزن والقافية، وظهرتْ لهم قصائد رصينة، ولهم قرَّاء وجمهور يُشِيد بهم، ولعلَّ أحَد أقوى المؤشرات على عودة الناس للشِّعر الرصين: برنامج شاعر المليون وهو برنامج تلفزيوني متخصص في مسابقة الشِّعر انطلق من إمارة أبوظبي. لقي البرنامج متابعة جماهيريَّة واسعة في العالم العربي، وعرضت العديد من المحطَّات الفضائيَّة حلقات البرنامج الأسبوعيَّة، كما قامت بمتابعة وتغطية تفاصيل المنافسة الشعريَّة إخباريًّا العديد المحطَّات العالميَّة والعربيَّة. وخلال هذا البرنامج برز شعراء فطاحل في اللُّغة، وقدَّموا قصائد منضبطة وملتزمة بقواعد الشِّعر، فكم قصيدة عرضت في هذا البرنامج نافست شعر أمير الشعراء، وكم شاعر عارض المتنبِّي في شعره، وظهرتْ في عصرنا قصيدتان تنهج نهج البردة، إحداها للشاعر السعودي صالح العشماوي والثانية للشاعر الفلسطيني البرغوثي، وانشغل الناس بمتابعة هذه المنافسة بَيْنَ الشعراء، وكانوا يستمعون لشعرهم ويتذوَّقونه ويشجِّعون الشعراء بالتصويت عَبْرَ وسائل التواصل الاجتماعي للشعراء الَّذين أعجبوا بشعرهم، حيثُ كان إعجاب الناس وتذوُّقهم للقصائد أحد معايير الفوز بَيْنَ المتنافسين.. وما زلتُ أذكر عندما تنفستْ والدتي ـ رحمها الله تعالى ـ الصُّعداء وقالت عبارة علقت بذاكرتي إنَّ الله هو مَن يحفظ لُغتنا، كان علينا ألَّا نجزع على ضياع اللُّغة.
ويتكرر نفس السيناريو عندما أصبحت اللُّغة الإنجليزيَّة هي لُغة العمل، وأصبح التدريس في الجامعات باللُّغة الإنجليزيَّة ليتمكن الخريجون من الانخراط في سوق العمل بسهولة، ثم أصبحت اللُّغة الإنجليزيَّة هي لُغة الدراسة في المدارس الخاصَّة في جميع المراحل الدراسيَّة حتَّى أنَّنا نجد أنَّ الأبوَيْنِ يحرصان على تعليم أطفالهما اللُّغة الإنجليزيَّة منذ سنِّ الروضة، وشاعت لُغات مشوّهة بَيْنَ الشَّباب مثل لُغة (العربيزيي) وهي لُغة مخلوطة بَيْنَ اللُّغة العربيَّة وللُّغة الإنجليزيَّة، وباتَ الطلبة يعتزُّون بإتقانهم اللُّغة الإنجليزيَّة ويسخرون من المتحدثين باللُّغة العربيَّة، وهنا علَتِ الأصوات الَّتي تستغيث لإنقاذ أبناء العرب من ضياع هُوِيَّتهم، وتستغيث لإنقاذ اللُّغة العربيَّة، وخلال هذه الفترة ظهرت موجة كبيرة تجر الناس للعودة للُّغة العربيَّة، فبدأ الشَّباب يعودون لاستخدام اللُّغة العربيَّة ويفخرون بها، ولعلَّ أحَد المؤشرات اهتمام الطلبة في جميع الدول العربيَّة بالمشاركة في منافسة تحدِّي القراءة، وهي مسابقة أطلقت في الإمارات العربيَّة المتَّحدة، وتفتح باب المشاركة لجميع الأطفال في الدول العربيَّة، فبدأ الأطفال والناشئة التنافس على قراءة الكتب باللُّغة العربيَّة، فأصبحنا أمام آلاف من الأطفال الَّذين يتقنون فنون القراءة، وينغمسون في قراءة الكتب العربيَّة، بل ويتحدثون ويتناظرون باللُّغة العربيَّة الفصحى. وهنا تذكرتُ كلمة والدتي ـ رحمها الله ـ إنَّ للُّغة العربيَّة ربًّا يحميها، فعلينا ألَّا نجزع إن عزف الشَّباب عن اللُّغة؛ لأنَّهم سيعودون بعون الله وتوفيقه.. وكُلُّ عام واللُّغة العربيَّة بخير... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@