الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الجدات وتفسير الأحلام

الجدات وتفسير الأحلام
السبت - 09 مارس 2024 04:52 م

نجوى عبداللطيف جناحي

30


هل استيقظت يومًا وقَدْ حلمت حلمًا أزعجك وشغَل مشاعرك وعقلك؟ هل جرَّبت أن تحكيَ هذا الحلم لجدِّك أو أبيك، فإن فعلت فغالبًا ما تجده يقاطعك وينصحك بالصَّدقة والدُّعاء، وهل جرَّبت أن تحكيَ هذا الحلم لجدَّتك؟ فإن فعلت فسترى الجدَّة الغالية ستبدأ في تفسير حلمك دُونَ تردُّد وبكُلِّ ثقة، أو لعلَّها تهرع للاتِّصال بإحدى صديقاتها المشهورات بقدرتهنَّ على تفسير الأحلام تفسيرًا، لِتنقلَ لك تفسيرها لحلمك، أو أنَّها ستفتح كتاب ابن سيرين لتفسيرِ الأحلام لتقرأ لك الجزء الَّذي يناسب حلمك، وإن كانت جدَّتك ممَّن لديهنَّ شغف بالتجول في المواقع الإلكترونية فستجدها ستفتح هاتفها لِتقرأَ لك تفسير حلمك من تلك المواقع، وستجدها تفعل ذلك بكُلِّ سعادة وشغَف. المُهِمُّ أنَّها لَنْ تدعَك وشأنك حتَّى تفسرَ حلمك، أمَّا إن رويت حلمك لوالدتك وعمَّتك وخالتك، فاعْلَمْ أنَّ تفسير حلمك هذا سيأتيك من كُلِّ حدب وصوب. لَعَمْري إنَّ تفسير الأحلام هو شغَف الأُمَّهات والجدَّات، فهنَّ يستمتعنَ بالاستماع للأحلام ويحرصنَ على تفسيرها، بل إنَّك تجدهنَّ يحكينَ قصصًا ومواقف حَوْلَ قصص نجاحهنَّ في تفسير الأحلام، وكيف أنَّ تفسيرهنَّ للأحلام يصدق كبزوغ فلق الصبح، لِتقتنعَ بأهمِّية اللجوء إليهنَّ لِتفسيرِ الأحلام. والحقيقة أنَّني لا أعرف سبب شغَف الجدَّات بتفسير الأحلام، هل لِتشوقهنَّ لمعرفة المستقبل؟ أو لحرصهنَّ على نقل البشارات للآخرين، أو لعلهنَّ يعتبرنه نَوْعًا من الحكايات الَّتي عادةً ما تستهويهنَّ! الحقيقة... لستُ أدري!!!

ولكن إذا ما تأمَّلنا قصَّة عزيز مصر ورؤياه للسَّبع سنبلات، والسَّبع بقرات، وكيف كان يبحث عن مَن يقبل أن يفسِّرَ له رؤياه ولَمْ يجدْ، حيث ذكَر الله تعالى هذه القصَّة في الآية (43) من (سورة يوسف)، فقال الله تعالى على لسان عزيز مصر: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ.

فعزيز مصر رأى رؤيا أقلَقَته، وطلب تفسير هذه الرؤيا من

الكهنة لكنَّ الكهنة العالِمين والعارفِين لَمْ يسارعوا بتفسير حلمه كما تفعل جدَّاتنا العزيزات، بل تحفَّظوا وامتنعوا عن الخوض في تفسير هذه الرؤيا أو كما وصفوها بأنَّه حلم وليس رؤيا، فقالوا: (وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعالِمينَ) (سورة يوسف) آية (44)، لقَدْ كان بإمكانهم أن يفسِّروا الرؤيا لِمَلكهم كما يروق له، وأن يضعفوا أمام إلحاحه عَلَيْهم، وقلقه الشَّديد وحاجته المُلحَّة لِمَن يفسِّر له هذه الرؤيا، لكنَّهم أعلنوا تحفُّظهم وعدم عِلمهم بتفسير الأحلام، بكُلِّ جرأة وثقة أمام المَلك، ولا جبن في هذا الموقف، فهذا هو الموقف الصَّحيح للعلماء عِنْدما يستفتون فيما لا يعلمون، فمِن صفات العالِم أنَّه لا يدَّعي العِلم في أُمور لا يعلمها، وتستوقفني كلمة (بعالِمين) ولَمْ يقُلْ بعارفين، فتلك دلالة على أنَّ تفسير الأحلام كان يُعَدُّ عِلمًا له اختصاصه لا يجوز الخوض فيه بِدُونِ الإلمام بهذا العِلم. ولا يقبل أحَد أن يتصدَّى له إن لَمْ يكُنْ مختصًّا في هذا العِلم، ولعلَّ تفسير الأحلام من العلوم الَّتي كانت لدى الأُمم السَّابقة ثمَّ اندثرت شأنها شأن بعض العلوم المندثرة مِثل: عِلم الأنساب، وعِلم الأثَر.

فتأمَّلي أيتُّها الجدَّة سرد القرآن لموقفِ الكهنة وحذرهم من الخوض في تفسير الأحلام، فَهُم تورَّعوا من التَّفسير، ذلك لأنَّهم يعلمون حقَّ العِلم أنَّه لا يجوز أن يقولَ العالِم ما لا يعْلَم، فذلك أدب العلماء فحذارِ من التصدِّي لتفسير الأحلام دُونَ اختصاص. فإذا ما روى لك أحَد الأبناء أو الأحفاد حلمًا أزعجه فطمئنيه وعلِّميه أنَّه إذا رأى حلمًا مزعجًا فعَلَيْه أن يستعينَ بالصَّدقة والدُّعاء لدفعِ البلاء ولا يرويها لأحَد، وأن ينسَى هذا الحلم وكأنَّ شيئًا لَمْ يكُنْ. كَيْ لا يتحقَّقَ هذا الحلم... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

Najwa.janahi@