الأحد 05 أبريل 2026 م - 17 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

خان يونس والزبير بن العوام

خان يونس والزبير بن العوام
السبت - 09 مارس 2024 04:51 م

علي بدوان

30


خان يونس، المدينة (أو البلدة) الصغيرة من ناحية المساحة نسبيًّا، والمكتظَّة بالسكَّان، ذات الشوارع الضيِّقة الَّتي تضمُّ بَيْنَ حناياها أعدادًا كبيرة من لاجئي الشَّعب الفلسطيني من الداخل المحتلِّ عام 1948.

أقسمت (خان يونس) في صمودها اليومي الأسطوري أن تبقى عصيَّة على جيش الاحتلال في حرب الإبادة، وهي التَّعريف الحقيقي لِمَا يجري على أرض القطع وفق ما جاء في قرارات محكمة العدْل الدوليَّة في لاهاي.

خان يونس، مدينة الجلوس على أبواب البيوت والمنازل البسيطة، وعتباتها، تلك الحالة الَّتي تُميِّز تكوين مناطق القِطاع بعد نكبة العام 1948. تلك المناطق الممتدَّة من (رفح) جنوبًا حتَّى (بيت حانون) شمالًا، في قِطاع غزَّة، الَّذي حوَّله لَيل الاحتلال الطويل إلى سجنٍ مركزيٍّ.

خان يونس، قلعة مقاومة الآن مع استمرار حرب «الإبادة «الإسرائيليَّة» المجنونة». فهي المدينة (أو البلدة) الَّتي خَرَجَ مِنْها كبار الأُدباء، والسَّاسة، والمتعلِّمين، والشُّهداء في فلسطين وعَبْرَ تاريخها. من الشهيد ياسر عرفات (والده من خان يونس ووالدته مقدسيَّة)، ويحيى السنوار ابن مُخيَّمها (مُخيَّم خان يونس) ومحمد الضَّيف.

إنَّها بلدة ومُخيَّم (الزبير بن العوام)، فقَبل أعوامٍ مديدةٍ من سنوات العمل الوطني الَّتي انقضت، كان صديقي الطالب الجامعي في جامعة دمشق (من عائلة المصري) من (خان يونس) يدرس معنا بالجامعة. حاملًا اسمًا حركيًّا (الزبير بن العوام)، وقَدِ استُشهد بعد تخرُّجه من الجامعة أثناء مواجهات مع القوَّات «الإسرائيليَّة» جنوب لبنان عام 1979. خان يونس، ومُخيَّمها، وبسِحرها الأخَّاذ على بحر غزَّة بحر فلسطين، وعالَمها الَّذي يؤسِّس لكُلِّ فلسطيني الارتباط والتَّلاصق بالوطن، وحين تطلُّ على بحرها تراه في الأفق يَسير شمالًا إلى عُمق الوطن السَّليب في أسدود وعسقلان والمجدل ويافا وحيفا وقيساريَّة وعكَّا والزيب حتَّى رأس النَّاقورة.

خان يونس تقاوم، لا مخبأ فيها، لأنَّها مُنبسطة كراحة اليد، لكنَّها كـ»أعشاش الدَّبابير» تمتلئ بالشَّوارع الفرعيَّة والأزقَّة الضيِّقة، الَّتي يُناور بَيْنَها القسَّاميون والسَّرايا والأقصى وكتائب أبو علي مصطفى وغيرهم، وهي الَّتي أغرَقَت جيش الاحتلال في أزقَّتها وأوحالها.

إنَّها خان يونس، الَّتي تزدان في مُجتمع فتيٍّ، والَّتي تأتي في سياق ما يُميِّز التركيبة السكَّانيَّة لقِطاع غزَّة، حيث يُشكِّل الأطفال (17 عامًا وما دُونَ) ما نسبته نَحْوَ (47%) من إجمالي عدد سكَّان القِطاع بحسب بيانات جهاز الإحصاء الفلسطيني، الَّتي تضيف أنَّ عدَد الأطفال في القِطاع وصلَ في منتصف العام الماضي إلى نَحْوِ (1.046) مليون طفل، يُشكِّل الذُّكور مِنْهم نَحْوَ (51%) والإناث نَحْوَ (48.9%). وتُظهر عمليَّة قراءة تلك البيانات أنَّ نَحْوَ (59.3%) من الأطفال هُمْ دُونَ سنِّ التَّاسعة، وترتفع النِّسبة لِتصبحَ (85.8%) فيما لو تمَّت إضافة فئة مُن هُمْ بَيْنَ سنِّ التَّاسعة والرَّابعة عشرة.

في خان يونس، المقاهي البسيطة، وكانت في البدء على كراسي القش الفلسطينيَّة، تجد جليسها شاعرًا، وأديبًا، وكاتبًا، وشيخًا متفقهًا ومُقنعًا... وبكُلِّ حواراتهم وتناقضاتهم، لكنَّ كُلَّ هؤلاء يتشاركون الحديث بوُدٍّ وودِّيَّة... إنَّها خان يونس... إنَّها أسطورة من فلسطين... إنَّها مدينة ومُخيَّم الشَّعب الَّذي لا يكلُّ ولا يملُّ، حاملًا راية العودة...

علي بدوان

كاتب فلسطيني

عضو اتحاد الكتاب العرب

دمشق ـ اليرموك