الخميس 02 أبريل 2026 م - 14 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

الفيروس.. وقصة إنسان!

الفيروس.. وقصة إنسان!
الاثنين - 01 ديسمبر 2025 09:50 ص

د. يوسف بن علي الملَّا

40

في كُلِّ عام وفي الأول من ديسمبر تحديدًا هي فرصة للمُجتمع للانتباه والتمعُّن في موضوع مكافحة فيروس نقص المناعة البشريَّة (الإيدز)، وإظهار الدعم لأولئك الَّذين تم تشخيصهم، بل وتذكر أيضًا أولئك الَّذين فقدوا حياتهم بسبب هذا المرض. ورغم عقود من التقدم، لا يزال فيروس نقص المناعة البشريَّة أحد أكثر تحدِّيات الصحَّة العامَّة في الكثير من المُجتمعات، حاملًا معه الخوف والأمل والاكتشافات العلميَّة والطبيَّة.

بلا شك ما يجعل هذا اليوم مُهمًّا هو ذلك التحوُّل في فَهْم المُجتمع الطبِّي لفيروس نقص المناعة البشريَّة. وبالتَّالي لم يَعُدِ الفيروس حكمًا بالإعدام ـ إن استطعت القول ـ، بل أصبح حالة مزمنة يُمكِن السيطرة عليها طبيًّا مع العلاج والمتابعة. ففي آخر تحديثات برنامج الأُمم المتحدة المعني بفيروس نقص المناعة البشريَّة (الإيدز) بَيَّنَت أنَّه يتلقى ما يقرب من تسعة وعشرين مليون شخص حَوْلَ العالم الآن العلاج المضادَّ للفيروسات (آي آر تي). وهذا يؤكد كيف أنَّ العلاجات تطوَّرت لدرجة أنَّ حبَّة واحدة يوميًّا قادرة على قمع الفيروس إلى مستويات لا يُمكِن اكتشافها، ممَّا يسمح للمرضى بعيش حياة طبيعيَّة.

حتَّى أنَّه في عام 2022، ظهرت مفاهيم جديدة تتعلق بالكشف، وعبارات تذكر بأنَّ الفيروس موجود، ولكن ـ طبيًّا ـ غير قابل للكشف. بمعنى آخر، أنَّه غير قابل للانتقال. وهذا حقيقةً غيَّر مفاهيم كثيرة، وأثبتَ أنَّ الأفراد المُصابِينَ بفيروس نقص المناعة البشريَّة الَّذين يحافظون على حمل فيروسي غير قابل للكشف لا ينقلون الفيروس جنسيًّا!

ومع ذلك، لا يزال المشهد العاطفي لفيروس نقص المناعة البشريَّة ثقيلًا. ولا يزال العديد من المرضى يعانون من العار حتَّى قَبل ظهور الأعراض بوقتٍ طويل. لقد شهدنا شبابًا وشابَّات ينهارون بمجرَّد سماع التشخيص. حتَّى أنَّ بعضهم أجَّل إجراء الفحوصات خوفًا من الحُكم عليهم أكثر من خوفهم من تطوُّر المرض وواقعيًّا هنا الكارثة. لذلك عندما أتحدث عن التوعيَّة هنا أو من خلال وسائل الإعلام المختلفة، فإنِّي لا أتحدث عن العِلم فحسب، بل عن التعاطف ودعم المُجتمع لهم؛ لِمَا يحمله من طابع إنساني لهذا المرض.

من ناحية أخرى، هناك تطوُّر للعلاج الوقائي قَبل التعرض كما يطلق عليه، والَّذي بِدَوْره أدَّى إلى خفض الإصابات الجديدة بفيروس نقص المناعة البشريَّة بنسبة تصل إلى أربعة وسبعين بالمئة في الدراسات السكانيَّة. وهذا فعلًا فتح الباب لإدخال العلاج الوقائي قَبل التعرض، عن طريق الحقن مرَّة كُلَّ شهرين، لأولئك الأفراد الَّذين يعانون من صعوبة في تناول الحبوب اليوميَّة، وهو شيء لم يكُنْ موجودًا لولا التقدُّم الطبِّي الحديث، خصوصًا إذا تمَّ دمجه في البرامج الوطنيَّة.

ولِكَيْ نكُونَ إيجابيين حَوْلَ أمل علاج هذا المرض، هناك مجلَّة طبيَّة عالميَّة وثَّقت في عام 2023 ميلاديَّة، بل ونشرت مراجعة عن خمسة مرضى حققوا شفاء طويل الأمد بعد عمليَّات زرع خلايا جذعيَّة، ممَّا ألْهَم المزيد من الاستكشاف. طبعًا وبطبيعة الحال رغم أنَّ هذه التدخلات غير مجدية لعامَّة الناس، إلَّا أنَّها تجسِّد التقدُّم الطبِّي لمعالجة هذا المرض.

ختامًا، عندما يجلس أمامنا مريض مشخَّص حديثًا بفيروس نقص المناعة البشريَّة، فإنَّه يحتاج إلى أكثر من مجرَّد علاج. هو صدقًا يحتاج إلى طمأنته بأنَّ هُوِيَّته لم تتغير، وأنَّ أحلامه لا تزال قائمة، وأنَّه قادر على بناء أُسرة والعيش حياة هانئة؛ لأنَّه بالأخير هو أكثر من مجرَّد فيروس... هي قصَّة إنسان!

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]