.. وما زلنا نقرأ في سيرة المخرج الفنَّان الدَّاعية للإسلام مصطفى العقاد، هذا المخرج والفنَّان الدَّاعية للإسلام والَّذي أسلَم على يده أكثر من عشرين ألف شخص. ولعلَّ هذا الإنجاز لم يحققْه أكبر الدُّعاة، حيثُ دخل عالم الشهرة بكفاءته المهنيَّة في صناعة السينما، فنكمل ما بدأناه في مقالاتنا في الأسابيع الثلاثة الماضية، والمنشورة في هذه الجريدة الغرَّاء (الوطن) العُمانيَّة: الـ(25) من أكتوبر، والأوَّل والثامن من نوفمبر، حيثُ كانت سلسلة المقالات بعنوان: قراءة في سيرة مصطفى العقاد: المخرج الفنَّان والدَّاعية للإسلام (الأجزاء الأوَّل والثاني والثالث)، ذلك الفنَّان السوري الحلبي المولود عام 1930، والَّذي نشأ في بيئة دينيَّة محافظة، وتربَّى على يد والده الواعظ (شيخ الدِّين)، وكان والده يعدُّ صناعة السينما وغيرها من الفنون لا تتفق وتعاليم الدِّين الإسلامي، في حين أنَّ ابنه مصطفى العقاد كان يرى أنَّ السينما وسيلة لتعريف الناس بالدِّين الإسلامي، وأنَّ هذه الوسيلة هي أفضل من الطُّرق التقليديَّة الَّتي يتبعها الدُّعاة والواعظون في تعريف الناس بالدِّين الإسلامي وهو أُسلوب المحاضرة وتقديم الدروس والمواعظ، والدخول في مناظرات.. وقد اهتمَّ مصطفى العقاد منذ طفولته بتطوير قدراته وخبراته في الإنتاج والإخراج الفني، فقد كان يتدرب على التصوير الفوتوغرافي في صغره، واشترى كتابًا باللُّغة الإنجليزيَّة حَوْلَ صناعة السينما فترجمه بنفسه لِينمِّي معرفته في هذا المجال. وأعدَّ نفسه للسفر إلى أميركا للدراسة، حيثُ التحق في جامعة بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA) لدراسة الإخراج عام 1954، وعندما كان طالبًا أخرج خلال فترة الدراسة فيلمًا تاريخيًّا حَوْلَ: (قصر الحمراء)، وفاز بالجائزة الأولى في مسابقة الجامعة، فانتشر هذا الفيلم وانتشر انتشارًا واسعًا في أميركا. ولعلَّ هذا الفيلم باكورة وفاء العقاد بوعده لأبيه بأن يوظف صناعة السينما للتعريف بالدِّين الإسلامي.
نعم.. كان حلمه أن يوثِّق التاريخ وخصوصًا تاريخ المسلمين سينمائيًّا بدلًا من توثيقه في كِتاب يقرأ؛ لذا اجتهد لِيصلَ إلى العالميَّة بوصوله لعالم هوليود، لِيتقبلَ الجمهور إنتاجه الفنِّي ويكسب ثقة النقَّاد والمختصين في عالم الفنِّ، ويعترف الجميع بكفاءته وإبداعاته الفنيَّة، كُلُّ هذا وهو متمسك بهُوِيَّته العربيَّة الإسلاميَّة، ثم بدأ نتاجه الفنِّي في مجال التوثيق التاريخي.
وجد العقاد ـ ذلك العربي المهاجر المسلم ـ نفسه في مهجره أمام سيل من الأسئلة حَوْلَ الإسلام، أسئلة من أناس لا يعرفون ما هو هذا الدِّين؟ ومن آخرين لدَيْهم أفكار مغلوطة عن الدِّين الإسلامي، وأسئلة أخرى من أبنائه الَّذين ما زالوا يتعرفون على دِين أبيهم وهم في مُجتمع غير إسلامي، كان لدَيْه إيمان بأنَّ الإجابة على تلك التساؤلات واجب والتزام دِيني يقع على عاتقه، ولِمَ لا؟ وهو ابن شيخ دِين وواعظ همُّه تعليم الناس أُمور دِينهم، تلك التنشئة الَّتي عاشها في طفولته عززت لدَيْهم الشعور بالمسؤوليَّة تجاه تعريف الناس بالدِّين الحنيف ليفهموا هذا الدِّين فهمًا صحيحًا منصفًا، ولِمَ لا؟ وقد آل على نفسه أن يوظف خبرته في الإنتاج السينمائي للتعريف بالثقافة الإسلاميَّة العربيَّة. من هنا فكَّر في عمل سينمائي تاريخي توثيقي يعرِّف الناس بالدِّين الإسلامي، بدءًا بتعريفهم بالبيئة العربيَّة الجاهليَّة قَبل الإسلام حتَّى ولادة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونشأته ونزول الوحي، وبدء الدعوة ونشر الإسلام، وحتَّى وفاة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ. تبلورت الفكرة في ذهن العقاد، واستعان بفريق من الكتَّاب والمؤرِّخين لكتابة النَّص التاريخي السينمائي وهم الكاتب الأيرلندي (هاري كريج)، والَّذي بِدَوْره استعان بعددٍ من الكتَّاب وهم أحمد شلبي، توفيق الحكيم، عبدالحميد السحار وعدد من أساتذة الأزهر الشريف. وبطبيعة الحال، كان بحاجة لفريق كبير من الممثلين العالميين والعرب، فقد أصدر الفيلم بنسختين، نسخة باللُّغة العربيَّة وأخرى باللُّغة الإنجليزيَّة. فقد قام بِدَوْر شخصيَّة حمزة بن أبي طالب بطل الفيلم (أنتوني كوين) في النسخة الأجنبيَّة، وعبدالله غيث في النسخة العربيَّة، ومثَّلت شخصيَّة هند بنت عتبة (أبرين باناس) في النسخة الأجنبيَّة، ومنى واصف في النسخة العربيَّة. أمَّا دَوْر بلال بن رباح فقد قام به الفنَّان العالمي (جوني سيكا)، والفنَّان العربي علي أحمد سالم، وعدد كبير من الفنَّانين العالميين والعرب، بالإضافة إلى عدد ضخم من الجمهور (الكومبارس)، لتصوير مشاهد أفواج الناس كمشاهد الجيوش، ومشهد في استقبال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند وصوله للمدينة المنورة، كما احتاج لخبراء ومختصين في الأزياء لتصميم الملابس، ولك أن تتخيل حجم الجهود الَّتي بذلها لنقلِ مواقع التصوير لبيئات مختلف كالصحاري وغيرها. واستعان بالموسيقار الفرنسي العالمي (موريس جار)، لإنتاج الموسيقى التصويريَّة. هنا يظهر حرص العقاد على أن يعدَّ الفيلم باحترافيَّة عالية، من هنا كان حرصه على الاستعانة بمختصِّين عالميين مشهورين لِيجدَ الفيلم قَبولًا على جميع الأصعدة. وقد استغرق إنتاج الفيلم عامين كاملين، عامًا استغرق في كتابة السيناريو، وعامًا آخر في التصوير.
إنَّ إنتاج فيلم بهذا المستوى يتطلب تمويلًا عاليًا، فكلفة هذا الفيلم تصل إلى أكثر من عشرة ملايين دولار، عرض النَّص على جهات ودول مختلفة لكسبِ الدَّعم والتمويل، سواء نقدي مباشر أو خدمات، أو مساندة كتوفير مواقع التصوير، وتسهيل نقل معدَّات التصوير بالبحر، وموافقة الجهات على النصوص، وقد حصل الفيلم على دعم من عدَّة دول، فتمَّ تصوير جزء من الفيلم في المغرب العربي، والجزء الآخر في ليبيا. واجَهَ العقاد خلال إنتاجه لهذا الفيلم العديد من التحدِّيات والَّتي استمرَّت على مدى عامين وهي فترة التصوير، حيثُ كاد أن يفقد الأمل في إنتاج الفيلم في العديد من المواقف، حتَّى قيل إنَّه شابَ شعر رأسه خلال هذه الفترة.
حقَّق الفيلم رواجًا كبيرًا، فقد حققت النسخة الأجنبيَّة أرباحًا بأكثر من عشرة أضعاف تكلفته، وترجم الفيلم إلى (12) لُغة من لُغات العالم، وشهد له بالكفاءة الفنيَّة. فقد رشحت الموسيقى التصويريَّة للفيلم في منافسات الأوسكار، وحقَّق الملايين من المشاهدات، وعرض الفيلم في السينمات، والمدارس في جميع أنحاء العالم، فقد حقَّق هذا الفيلم العالميَّة لكفاءته الفنيَّة. ومن خلال عالميَّته كان وسيلة عالميَّة للتعريف بالدِّين الإسلامي بأُسلوب مشوِّق، وكان أُسلوبًا للدَّعوة للإيمان بهذا الدِّين وفهمِه فهمًا سليمًا، فقد تجاوب الآلاف من المشاهدين مع هذا الفيلم حتَّى أسلم الآلاف من المشاهدين بعد مشاهدة هذا الفيلم، واتضحت مفاهيم الدِّين الإسلامي للعديد من المسلمين. ويُمكِننا القول إنَّه من خلال هذه الفيلم حقَّق أكثر ما يُحقق الدعاة للإسلام. من هنا نَعدُّ العقاد أحَد الدُّعاة للدِّين الإسلامي، ولكن بأُسلوب ومنهجيَّة تختلف عن المحاضرة، بأُسلوب معاصر يتقبله أبناء العصر. وهنا نقف أمام مفهوم مُهمٍّ وهو أنَّ المخاطبة الناس والتواصل مع الجمهور يَجِبُ أن يواكب عقليَّاتهم. فقديمًا قالوا: خاطب الناس على قدر عقولهم، ونؤكد أنَّنا نستطيع أن نخدم الناس ونخدم الدِّين من خلال قنوات متنوعة، فلا نقتصر على اعتلاء منابر الخطبة، أو جلوس في حلقات الذكر، كوسيلة لتعليم الناس أُمور دِينهم، بل نلجأ للأساليب الحديثة الَّتي يتقبَّلها الناس في تعليم المفاهيم والمعلومات. ولعلَّنا نعدُّ وسائل التواصل الاجتماعي منبرًا واسعًا لتوضيح المفاهيم الصحيحة للدِّين الحنيف، ونشر الأخلاق الحميدة والقِيَم السليمة. ولكن بكفاءة فنيَّة عالية وباحترافيَّة الإعلامي المختص، بقوله صلى الله عليه وسلم (إنَّ الله يحبُّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه).
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@