من بين الصفات العظيمة التي تميّز بها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، تتجلّى الرحمة كأبهى ما تكون، رحمة شاملة امتدت إلى الإنسان والحيوان، القريب والبعيد، الصديق والعدو، لكن أعمق صور هذه الرحمة وأصدقها ظهرت في معاملته لأمته؛ تلك الرحمة التي لم تقتصر على حياته فقط، بل استمرت دعاؤه وحرصه وشفاعته لأمته حتى بعد وفاته.
فإذا تحدّثنا عن الرحمة، فلا بد أن تخشع القلوب وتلين عند ذكر نبيّ الرحمة، محمد (صلى الله عليه وسلم)، الذي قال عنه ربه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحمَةً لِلعَالَمِينْ)، رحمةٌ لم تكن مجرد عاطفة، بل كانت منهجًا يعيش به، ويعلّمه، ويطبّقه في كل موقف، ومع كل أحد. ومن بين الخلق جميعًا، كانت أمته أحبّ الناس إليه، وأكثرهم نصيبًا من رحمته، رحمهم في دعوته، رحمهم في معاملته، رحمهم في دعائه وبكائه خوفًا عليهم، بل رحمهم حتى في لحظاته الأخيرة، وهو يردد:(أمتي، أمتي).
في هذا المقال، نقترب من بعض المواقف النبوية التي تجلّت فيها رحمته (صلى الله عليه وسلم) بأمته، لنستشعر عظمة هذا النبي، ونتأمل كيف يمكن أن نقتدي به في زمن قلّت فيه الرحمة واشتدّت القسوة.
* رحمة النبي بأمته خاصة: من مظاهر هذه الرحمة النبوية العظيمة: رفع الحرج والمشقة عن أمته في التكاليف الشرعية، وقد وصفه ربه بقوله سبحانه:(وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (الأعراف: 157)، ومن أمثلة ذلك:
1 ـ تركه فعل الشيء مخافة أن يفرض على أمته؛ فقد ورد عن عائشة أنها قالت:(إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان لَيَدَعُ العمل وهو يحب أن يعمل به؛ خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم)، وفي ذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
2 ـ وفي صلاة القيام في رمضان كان قد اجتمع بالمسلمين ثلاثة أيام، فلما كان من اليوم الرابع لم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: (قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم).
3 ـ امتناعه عن الجواب في بعض الأحوال مخافة أن يشق على أمته؛ كقوله:(أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا)، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(لو قلت: نعم، لوجبت، ولَمَا استطعتم)، ثم قال:(ذَرُوني ما تركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه).
4 ـ أمره بالتخفيف على الناس، حتى في العبادات، بما لا يخل بمضمون العبادة، فقال:(إذا أَمَّ أحدكم الناس فليخفف؛ فإن فيهم الصغير والكبير، والضعيف والمريض، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء)، وقد رأينا كيف كان يخفف صلاته عند سماع بكاء الصبي شفقةً بأمه.
رحمته بالناس عامة: لم تقتصر هذه الرحمة على المؤمنين أو على أمة المسلمين فقط، بل امتدت لتشمل كل الناس، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(لا يرحم الله من لا يرحم الناس)، وقال:(الراحمون يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء)، حتى شملت هذه الرحمة الكافرين، وقد سجلت آيات القرآن شيئًا من هذا، فجاء قول الله مخاطبًا محمدًا (صلى الله عليه وسلم):(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) (الكهف ـ 6)، وجاء قوله تعالى:(فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) (فاطر ـ 8).
ولقد بلغت رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم)، حتى في أثناء القتال والجهاد وإرسال الغزوات؛ إذ إنه كان يوصي أصحابه عند خروجهم للجهاد بغير المحاربين من الكافرين قائلًا:(انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا تغُلُّوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا؛ إن الله يحب المحسنين).
فهل لنا أن ننظر إلى هذه الأخلاق الرفيعة التي ربى عليها محمد (صلى الله عليه وسلم) أصحابه حتى وهم في حالة حرب مع عدوهم؟، وكيف نهاهم عن الغُلول والغدر والمُثلة وقتل الصغار والنساء؟، وهل نجد هذه القيم الإنسانية وهذه الرحمة العظيمة في أي من المعارك التي دارت على مر التاريخ، في شتى بقاع الأرض، وبين مختلف الألوان والأجناس؟! ألم يقل (جوستاف لوبون): ما عرف التاريخ فاتحًا أعدل ولا أرحم من العرب؟ وألم تكن تلك الشهادة نتيجة لتربية محمد (صلى الله عليه وسلم) لهم؟!.
أحاديث نبوية تظهر رحمته (صلى الله عليه وسلم) بأمته:
1. حديث الشفاعة:(لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجّل كل نبي دعوته، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا) (رواه مسلم)، فهذا دليل عظيم على أن النبي (صلى الله عليه وسلم) آثر أمته بدعوته الخاصة، وادخرها لآخرتهم، شفاعة ورحمة بهم.
2. حديثه في مرض موته:(بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى..، ثم قال: أمتي، أمتي(!، حتى في لحظات احتضاره، كان قلبه معلقًا بأمته، يذكرهم ويدعو لهم، مما يدل على شدة رحمته وحنانه.
3. حديث:(يا أيها الناس، إنما أنا رحمة مهداة)، وهذا وصف دقيق وشامل لرسالته (صلى الله عليه وسلم)، وأنه هدية من الله للبشرية كلها.
خاتمة: وهكذا، تبقى رحمة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) بأمته شاهدًا خالدًا على عظمة قلبه، ونقاء روحه، وصدق نبوته. لم تكن رحمته مجرّد كلمات تُروى، بل كانت حياةً تُعاش، وأخلاقًا تُحتذى. وما أحوجنا اليوم، في زمن كثرت فيه القسوة وجفّت فيه العواطف، أن نستلهم من نبيّنا هذه الرحمة، لننشرها في بيوتنا، ومجتمعاتنا، ومع من نحب ومن نختلف معهم.
فالاقتداء الحقيقي بالنبي (صلى الله عليه وسلم) لا يكون فقط في المظهر، بل في التخلّق بأخلاقه، والسير على نهجه، والتعامل مع الناس كما كان يتعامل: برحمة، ورفق، ومحبة صادقة، فصلّى الله وسلّم وبارك على من بكى شوقًا إلينا، وهو لم يرنا، وعلى من قال: (إنما أنا رحمة مهداة).
سامي بن محمد السيابي
كاتب عماني