يُمثِّل السفر ـ كما نعلم ـ حقل تجارب حقيقيَّة، قد لا تتوافر في أيِّ مجال آخر. فهو بمثابة تجربة مصغرة في وقت ضيِّق بفوائد عظيمة، ولذلك قيل قديمًا الكثير في ما يتعلق بموضوع السفر وفوائده وليس أقلّها البيت المشهور والَّذي يعدِّد تلك الإيجابيات ويفنِّدها. والواقع أنَّ هذه الفوائد لا يُمكِن حصرها في نطاق معيَّن، فهي تختلف باختلاف فكر وثقافة المسافر، وهنا مربط الفرس، فليس كُلُّ مَن سافر استفاد، فالكثير منَّا يركِّز فقط على جوانب وقشور السفر ويهتم فقط بالاستمتاع الَّذي ـ بلا شك ـ مطلب السفر الأول، ولكن هنالك جوانب أخرى لا يستطيع فهمها وتفسيرها إلَّا مَن كان حاضر التحليل والتفكير. فعِندَما تسافر إلى بلد يختلف في ثقافته وحضارته وتاريخه وواقعه عن بلدك، لا شك أنَّ الفرصة تكُونُ سانحة أكثر للمقارنة والتحليل، وفي النهاية إدراك مدى الواقع الَّذي تعيشه في بلدك، وهل هو الأفضل أم لا؟ رُبَّما وأنْتَ في بلدك لا تشعر بقيمة النعم الَّتي تعيشها، ولا الإمكانات المتوافرة فيها، فتحتاج إلى سفر يؤكد لك أنَّك ملك في بلدك، وأنَّ الوضع الَّذي تعتقد أنَّه صعب هو في الواقع لا شيء بالمقارنة مع تلك البلدان الَّتي تسافر لها. في الصَّيف الماضي أُتيحت لنا زيارة سياحيَّة برفقة مجموعة من الإخوة والأصدقاء إلى بلدين أوروبيَّين، خرجنا من هذه الزيارة بمجموعة من المواقف والعِبَر، ولكنَّني سأركِّز فقط على مجال واحد وهو الأُسرة. فالأُسرة في أوروبا تتلاشى والنتائج كارثيَّة، فما يروَّج له اليوم في العالم من نشر المثليَّة، وأنَّ الرَّجُل مع الرَّجُل والمرأة مع المرأة هو نتاج الوضع القائم في تلك الدول الَّتي زرناها! فعدم وجود أُسرة تنظم حياة الزوج والزوجة والأبناء، أصبح وضع المُجتمع هنالك عبارة عن آباء وأُمَّهات ليس لدَيْهم اهتمام إلَّا بالحيوانات، فعدد الكلاب والقطط الَّتي تُرافق أصحابها عدد كبير يُناظر عدد الأولاد والبنات الَّتي تُرافق والديها في مُجتمعاتنا؛ وبالتَّالي تناقص عدد المواليد وأصبح المُجتمع كهلًا، وأصبح الحل المزيد من المهاجرين الَّذين يحلّون محلَّ الشَّباب في الوظائف والمِهن الَّتي تحتاج هذه الفئة! وأجزم أنَّه خلال الخمسين سنة القادمة ستتحول هذه الدول إلى دول يُشكِّل فيها السكَّان الأصليون أقليَّة بِدُونِ أيِّ حرب أو إبادة كما حدَث للهنود الحمر الَّذين أُبيدوا من قِبل الجنس الأبيض في القرن السادس عشر مثلًا، ولكن التاريخ يعيد نفسه بأُسلوب آخر وبِدُونِ كُلِّ تلك العذابات والحروب وبأيديهم وبِدُونِ تدخُّل أحد. والأمر مختلف عن ما هو موجود في دول الخليج، فالفئة الشَّابَّة لدينا فئة ناشئة ومسيطرة، بمعنى أنَّ الوظائف والمِهن يوجد مَن يشغلها ويعمل فيها مستقبلًا، حتَّى لو خرجت أعداد الوافدين؛ لأنَّ التركيبة الديموغرافيَّة ما زالت تعتمد على أُسرة ذات فطرة سليمة تهتم بأبنائها وترعاها حتَّى الممات، فلا تتخلى عن البنت أو الولد لمجرَّد أنَّه وصل السِّن القانونيَّة الَّتي تفرض عليه الرَّحيل من البيت ويتلقفه مُجتمع لا يرحم لا همَّ له سوى جسده. إنَّ الحفاظ على كيان الأُسرة في المُجتمعات العربيَّة والإسلاميَّة هو الضمانة الوحيدة لاستمراريَّة التقدم الحضاري والحفاظ على إرث الأُمَّة بلا شك، وما الدعوات الخبيثة للتحرر غير المسؤول إلّا صيد في الماء العكر الهدف منه تدمير المُجتمع بتدمير الأُسرة، ونشر كُلِّ ما هو رذيل وتعميمه لِيكُونَ في النهاية طريقًا للرأسماليَّة المتوحشة الَّتي لا يهمُّها سوى كسب المال بأيِّ أُسلوب. فلو تحدَّثنا عن حجم تجارة المثليَّة ومستلزمات القطط والكلاب لوجدناها تدرُّ سنويًّا مليارات الدولارات الَّتي تذهب في النهاية لجيوب تجَّار لا همَّ لهم سوى المال بعيدًا عن أخلاق المُجتمع واستمراريَّة تطوره. إنَّ المتفحص في أمر هذه الظواهر ليحمد الله على نعمة الأُسرة والعائلة الَّتي ما زلنا محافظين على كينونتها، فهي الضمان الوحيد لتقليل حجم العبث بالأخلاق وصلاح المُجتمع ثقافيًّا وأخلاقيًّا وديموغرافيًّا واقتصاديًّا وغيرها من المجالات الَّتي لا يتَّسع المجال لذكرها. وما كان لنا أن ندركَ ذلك واقعيًّا إلَّا من خلال المشاهدة الحيَّة لهذه الظواهر الَّتي تُمثِّل النقيض ممَّا تروِّج له الآلة الإعلاميَّة الغربيَّة ومَن يَسير على خُطاها في الجانب العربي.. وللحديث بقيَّة.
د. خصيب بن عبدالله القريني