الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : حتى لا يكون معول هدم

نبض المجتمع : حتى لا يكون معول هدم
الأحد - 03 مارس 2024 05:04 م

د. خصيب بن عبدالله القريني

30

يُمثِّل موضوع الذَّكاء الاصطناعي الثيمة الرئيسة في مجال التقنيَّة حاليًّا، وتتسابق الشَّركات لعرض آخر ما توصَّلت إِلَيْه في هذا المجال، والجميع يُحلِّل كيف سيكُونُ عَلَيْه شكلُ العالَم بعد هذه الثَّورة الجديدة والَّتي يميلُ الكثير من المُحلِّلين كعادتهم إلى انتهاج النَّظرة السوداويَّة الَّتي سيخلِّفها دخول هذا المجال في حياتنا؟ وكيف أنَّه سيقضي على ملايين الوظائف البَشَريَّة؟ والواقع ـ ومن خلال التتبُّع التَّاريخي لجوانب شبيهة بموضوع الذَّكاء الاصطناعي ـ نجد أنَّ الأمْرَ ليس بمِثل هذه السوداويَّة الَّتي يصوِّرها البعض، رغم وجودها منطقيًّا؛ إذ إنَّ الثَّورة الصناعيَّة الاولى والَّتي كنَّا نعرفها أصلًا بأنَّها إحلال الآلات محلَّ الأيدي العاملة البَشَريَّة لَمْ تتمكَّنْ من فِعل ذلك، فكيف يُمكِن أن يقومَ الذَّكاء الاصطناعي بذلك؟ مع الاعتراف بأنَّ الوضعَ مختلف نوعًا ما، خصوصًا أنَّ الذَّكاء الاصطناعي لَمْ يتركْ بابًا إلَّا وطرَقَه لحدِّ أن وصلَ إلى إنتاج جوانب هي لبُّ عمل الإنسان وتميّزه، وهي تلك المرتبطة بعقلِه بعكس ما حدَث في الثَّورة الصناعيَّة الأولى وما تبعها من ثورات، حيث كانت هذه الميزة المرتبطة بالإنتاج الفكري حكرًا على البَشَر.. ومن هنا تقاسمت الثَّورات السَّابقة العمل. فالجوانب الَّتي تحتاج إلى مهارة وقوَّة استخدمت فيها الآلات، والجوانب الإبداعيَّة الَّتي تحتاج إلى إعمال العقل كانت حكرًا على البَشَر، فكان هنالك تناغم واضح، وبالتَّالي كان جلُّ مَن فقَدَ عمله هُمْ أولئك الَّذين يعتمدون في عملهم على الجهد البدَني. أمَّا أولئك الَّذين يعتمدون على عملهم الفكري فكانت لَهُم الأفضليَّة، ممَّا ساعد على الاهتمام بالجوانب العلميَّة؛ لأنَّها في الأساس هي طريق الاستفادة من إفرازات الثَّورة الصناعيَّة في تلك الفترات.

لكن ما يفرضه موضوع الذَّكاء الاصطناعي هو تحدٍّ جديد يتمثَّل بأنَّه بدأ يُنافس الإنسان في الجوانب المرتبطة به. وقَدْ كتبتُ مقالًا حَوْلَ هذا الموضوع والَّذي كان يتحدَّث عن إضراب كتَّاب السِّيناريو في هوليوود وكيف أنَّ المنتجِين تخلَّوا عَنْهم لوجود برامج مدعومة من الذَّكاء الاصطناعي يُمكِنها كتابة قصَّة فيلم ووضْع سيناريو وحوار له خلال ثوانٍ معدودة، والأمْرُ هذا لَمْ تكُنِ الثَّورات الصناعيَّة السَّابقة تتَّجه لَه، بل تعتمد ـ كما أسلفنا فقط ـ على الجوانب المادِّيَّة البحتة، وهنا مربط الفرس كما يقال.

تاريخيًّا أيُّ وظائف تنتهي تحلُّ مكانها وظائف أخرى، وهذا هو رهان المُحلِّلين الأقلِّ تشاؤمًا فيما يتعلَّق بهذا الموضوع، لكنَّ النقطة الأهمَّ كيف يُمكِن صنع هذه الوظائف وهذه المهارات؟ فمثلًا مهارة كالرَّسم كيف يُمكِننا أن نصنعَ مهارة موازية لها، فإذا كانت البرامج الحاليَّة الَّتي يُقدِّمها الذَّكاء الاصطناعي لا يُمكِن مضاهاتها عن طريق الرَّسم اليدوي، بل إنَّها تتفوَّق عَلَيْه، خصوصًا فيما يتعلَّق بانسجام الألوان والجوانب الفنيَّة الأخرى المرتبطة بمعايير الرَّسم، فهل سنقول وداعًا لمِثل هكذا مهارة؟ في اعتقادي الشَّخصي هي مِثلها مِثل قضيَّة اللؤلؤ الصِّناعي والَّذي أنتج في اليابان في القرن الماضي والَّذي يُشبه إلى حدٍّ بعيد موضوع الذَّكاء الاصطناعي. فإذا كان قَدْ أحدَث ثورة على اللولو الطبيعي وأدَّى إلى تراجع مداخيله، وما تلا الأمْرَ من ظهور مورد جديد لسكَّان الخليج وهو النفط، فإنَّ العمل في اللؤلؤ الطبيعي تراجع في تلك الفترة لظروف أخرى أيضًا. ولكن يظلُّ اللؤلؤ الطبيعي إلى الآن متصدرًا للمشهد، ولا يُمكِن مقارنته باللؤلؤ الصِّناعي، بل إنَّ دوَلًا كثيرة بدأت تمارس عمليَّة صَيده بطُرقِ حديثة؛ لأنَّ الطلب عَلَيْه تزايد. وهنالك طُرق معروفة للتَّمييز بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، وبالتَّالي ما زال اللؤلؤ الطبيعي محافِظًا على سِعره مقابل الصِّناعي وإن اختلف الزمن. رغم الفارق بَيْنَ المقارنتَيْنِ، إلَّا أنَّني أجزم أنَّ الذَّكاء الاصطناعي لَنْ يكُونَ عائقًا أمام التقدُّم البَشَري، فهو حاله كحال بقيَّة المنجزات الَّتي حقَّقتها البَشَريَّة، فهو ميسّر ومسهّل للحياة، ولَنْ يكُونَ ندًّا للبَشَر، إلَّا إذا كنَّا نريده كذلك. من هنا يتأتَّى دَوْر قادة العالَم والعلماء المختصِّين للنَّظر في كيفيَّة الاستفادة من إيجابيَّات الذَّكاء الاصطناعي بحيث لا يؤثِّر سلبًا على الوظائف البَشَريَّة بصورة خاصَّة، ويكُونُ طريق بناء لا معوَل هدْمٍ في تاريخ البَشَريَّة مع ما نُعانيه من مشاكل على صعيد الكوكب، وغالبيَّتها تتمثل في توفير أساسيَّات حياة الإنسان الَّتي تحتاج في الأساس إلى وظيفة تدرُّ دخلًا لا إلى اختراع يُعيق كُلَّ ذلك، وبالتَّالي نهلك جميعًا.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]