هو لا يُنسى كي يُتذكّر، فلا يُمكًن مطلقاً نسيان الشاعر، وبالذات مبارك الذي رحل عن عالمنا في ابريل من العام 2020م، في ذلك اليوم القائظ وبينما يوارى جثمان الشاعر مبارك العامري الثرى، كانت العصافيرُ تُغرّد حزينةً وهي تودع الشاعر الذي طالما عشق العصافير: (سأغفو على حلم .. محتضناً عُمان)، غردت العصافير في أسى بهذا المقطع الشعري لمبارك العامري.
ولد في العام 1963، وهو أحد أبناء قبيلة العوامر التي أشتهر أبناؤها بشق الأفلاج في عمان، سار على خطى أجداده في شق الأفلاج، ولكنه كان يشق فلج الشعر مع مجموعة من العمانيين مثل محمد الحارثي، سماء عيسى، علي الكحالي، زاهر الغافري، طالب المعمري، صالح العامري، أحمد الوهيبي، ناصر العلوي، لكنه تميّز عنهم في أنه أسّسَ الملحق الثقافي لمجلة العقيدة التي كانت تصدر في ذلك الوقت، حيث كان يعملُ بها ضمن عدة مؤسسات صحفية تنقل فيها والتي من ضمنها هذه الجريدة «الوطن»، عنوان الملحق هو (الملتقى الثقافي)، كان خارجاً عن المألوف الشعري والثقافي السائد في سلطنة عمان ويجترحُ درباً جديداً للقصيدة والذي أسهم في لمعان نجومٍ عدة في سماء الثقافة العمانية، كان الملحق الثقافي نافذة يطّلع عليه أبناء عمان على المبدعين الذين أسهم في التعريف بهم في مختلف مجالات الإبداع .. التشكيل .. الشعر .. السرد .. التصوير .. المسرح والتي أتى معظمها إلى عمان متأخراً نظراً لانغلاق عمان عن العالم قبل عام ألف وتسعمائة وسبعين، مبارك العامري أدى دوراً ريادياً في التعريف بهم محلياً وعربيا؛ عبر اللقاءات الصحفية معهم، لم يقتصر عمل مبارك العامري على الإشراف على الملحق والكتابة فيه ، بل كانت له إسهاماتٍ عدة في النقد والمقابلات مع المثقفين والكُتّاب العرب الذين يزورون عمان، تأسيس وإشراف العامري على الملحق يجعله الأب المؤسس للصحافة الثقافية في عمان، رغم مكابدات الحياة وقتها وزخم العمل الصحافي، ألا أنه أستطاع أن يشق صوته الشعري والسردي الخاص، لأن مبارك العامري سليل وحفيد الأسرة الشعرية العمانية المشهود له بالتفرد منذ القدم .
عرفتُ مبارك هادئاً وصامتاً، هدوء العارف والمُتيقِّن، صامتاً صمت المستمع والمنصت هوَ المُتابِع والمحتضن للأصوات المبدعة، كان أباً وأخاً للجميع، يقول في إحدى قصائده :
(الحب عصاي
التي أتوكأ عليها
في كل آن)
أتأمل هذا المقطع الشعري وأدعو الله أن يرزق الله كل من على الأرض، كبيرهم وصغيرهم، أن يرزقهم عُصيّ تكون مثل العصا التي كان يتوكأ بها مبارك العامري، بعدها سيكون العالم والبشرية في خيرٍ وسلام دائمين . لم يكثر الشاعر من نشر الكتب، لأنه يحب أن يعيش في الظل كاتباً أو قارئاً متأملاً، لم يُصب بإسهال النشر الذي أصاب الكثيرين، ولم يهرول نحو الجوائز التي لا تُسمن ولاتُغني من جوعٍ معرفي، ولم يسع للتكريم، التكريم الذي ناله بجدارةٍ واستحقاق هو كتابة قصيدةً جديدة وجميلة، بالنسبة لي لم أسمع أو أقرأ خبراً عن فعالية أو أمسيةٍ شعرية شارك فيها مبارك العامري، لم تكن المشاركة آخر ما يهمه، بل كانت لا تهمه مُطلقاً، وعندما كنت أراه مع الجمهور أراه في الصفوف الخلفية منتبذاً مكاناً قصيا، (مدارات العزلة) هو الإصدار الأدبي الأول للشاعر مبارك العامري صَدَرَ في العام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين، وهو نص روائي شعري وأصدر بعدها بسنوات رواية شارع الفراهيدي، بين العملين كان مبارك العامري ينشر قصائده ونصوصه في الصحف العمانية والعربية، (بسالة الغرقى) هو تلويحة سلام لأصدقائه ومحبيه، وهو ديوان شعر يضم مجموعة من قصائده ، كان آخر إصداراته المنشورة .
(شغوف بالبياض .. بإنبجاس المطر من رحم الغيم .. باليمام خارج السرب .. يندف البرد ومكعبات السكر .. شغوف بإلتقاء البياض بالبياض)
المقطع الشعري أعلاه هو للشاعر، وبه افتتح رفيق دربه وصديق إبداعه الكاتب محمد الوهيبي مقاله المعنون بـ (شارع مبارك العامري )، وفيه يذكر ان أمانة محافظة الطائف أطلقت أسم الشاعر الراحل محمد الثبيتي، على أحد شوارع المحافظة تقديراً لإسهاماته الوطنية، وتقديراً للأدب والأدباء وإهتماماً بالرواد والمميزين في جميع المجالات، فهذا المقال يقترح محمد الوهيبي تسمية شارع باسم الشاعر مبارك العامري، تقديراً وتكريماً له كونه من قامات الشعر العماني المعاصر، أو غرس شجرة في حديقة تُسمّى باسم أحد المبدعين، وهذا معمولٌ به في الكثير من بلدان العالم ، ولا نريد أن تكون بلادنا الجميلة استثناءً من هذا بل نريدها أن تكون هي السبّاقة في ذلك إن التفاتة مثل هذه هي أقل ما يُقدم للمبدع، والذي قدّم لوطنه الكثير دون أن يطلبُ جزاءً أو شكورا سوى خدمة بلده وخدمة الإبداع . رحم الله الشاعر مبارك العامري ، سلامي لك وأنت (تغفو على حلم .. مُحتضناً عُمان).
ناصر المنجي