توقفنا أحبتنا الكرام عند الأعمال القلبية في شهر شعبان الأكرم، وبقي أن نزيّن القلب بالإيمان الحق واليقين الخالص، ثم ننتقل إلى العمل البدني بإشراف دقيق من القلب، لنتشعب نحن أيضًا في الخير مع شعب شعبان الأكرم، فمن أهم شعب شعبان ومزاياه:
ميزة خاصة جدًّا وفضل عظيم حقًّا قد اختصه الله تعالى به، ألا وهو: أن قلوب الخلق تعرض على الله في ليلة النصف من شعبان، ففي (صحيح ابن حبان - محققًا 12/ 481):
(عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: يَطْلُعُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ)، فكيف بنا وقتئذٍ وتكون قلوبنا محمّلة بالبغضاء والشحناء والحقد.. وغيرها.
وإليكم هذا التحذير الذي جاء على لسان البشير النذير (صلى الله عليه وسلم) (عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: يَطْلُعُ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيُمْهِلُ الْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدْعُوهُ) (المعجم الكبير للطبراني 22/ 223).
ونجد في كتب الحديث والأخبار ما يفيد بـ(أن الجاهليين كانوا يعظمون شهري شعبان ورمضان تعظيمًا يكاد يضاهي تعظيمهم للأشهر الحرم، وقد يكون بسبب أن العرب كانوا يقدسون الشهرين ويحرمونهما أيضًا، وأن قريشًا كانت تحترمهما أيضًا، ومن هنا فضل شعبان ورمضان على بقية الأشهر الثانية مع أنهما من الأشهر الاعتيادية على حسب رواية أهل الأخبار، ولم يدخلوهما في جملة الأشهر الحرم، ونجد للشهرين حرمة كبيرة في الإسلام) (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 16/ 119).
ومن أهم شهب شعبان الأكرم فضلًا عن تحويل القبلة، أن فيه ليلة النصف منه والتي لا يخفى فضلها، يقول صاحب (القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع، ص: 208):
(أما الصلاة عليه في شعبان فعقد له ابن أبي الصيف اليمني الفقيه في جزء له في فضل شعبان باباً قال فيه روي عن جعفر الصادق - رضي الله عنه - أنه قال: من صلّى على النبي - صلى الله عليه وسلم - في شعبان كل يوم سبعمائة مرة يوكّل الله تعالى ملائكة ليوصلوها إليه وتفرح روح محمد - صلى الله عليه وسلم - بذلك ثم يأمر الله أن يستغفروا له إلى يوم القيامة، ثم قال: وروى عن طاووس اليماني أنه قال: سألت الحسن بن علي - رضي الله عنهما - عن ليلة الصك يعني ليلة النصف من شعبان وعن العمل فيها فقال: أنا أجعلها أثلاثًا فثلث أصلي فيه على جدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ائتمارًا لأمر الله عز وجل، حيث يقول:(يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً)، وثلث أستغفر الله تعالى فيه مثنى، مثنى، وثلث أركع فيه وأسجد، فقلت: وما ثواب من فعل ذلك؟ قال: سمعت أبي يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: من أحيا ليلة الصك كتب من المقربين يعني الذين في قوله تعالى:(فَأمّا إن كَانَ من المقربين) قلت: ولم أقف لذلك على أصل أعتمده والله أعلم.
ومن أهم شعب شعبان أن نسلك دروب ما يستحب من الأعمال بقلوب جديدة مستعدة فيه بقوة ونشاط ـ كما سنفعل في رمضان ـ من قراءة وتدارس للقرآن الكريم والاكثار من الصدقات، وقيام الليل وكثرة النوافل والتزام الصلوات والاعتياد على ذكر الله والركون إلى الصلاة على محمد (صلى الله عليه وسلم) وعن فضل الصلاة على النبي في شهر شعبان جاء كتاب (القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع، ص: 43):(وفي فضل شعبان لابن أبي الصيف اليمني بلا إسناد أنه قيل أن شعبان شهر الصلاة على محمد المختار لأن آية الصلاة عليه - صلى الله عليه وآله وسلم - نزلت فيه، وعن ابن عمر وأبي هريرة -
رضي الله عنهم - قالا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلوا علي صلى الله عليكم أخرجه ابن عدي في الكامل والنميري من طريقه وعن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: صلوا علي فإن صلاتكم علي زكاة لكم).
نعم فلنجعل قلوبنا من القلوب الموفقة الصالحة التقية التي تهفو للقرب من خالقها، وتطمئن إلى عبادته، وتسعد بالتأله عنه معصيته، وتطمع في دخول الجنان والعتق من النار.. وللحديث بقية.
محمود عدلي الشريف