الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

حين يتحول صديق طفلك لمشكلة!

حين يتحول صديق طفلك لمشكلة!
الاثنين - 08 سبتمبر 2025 01:30 م

د. يوسف بن علي الملَّا

30


يدرك الجميع أنَّه مع بداية عام دراسي جديد، يستعد العديد من الآباء والأُمَّهات ليتابعوا أبناءهم وهم يقومون بتكوين صداقات جديدة، بعضها قد يكون مرحبًا به، وبعضها الآخر أقلّ ترحيبًا. في فترة ما يذكر أحَد الآباء وهو في حالة من الحزن قائلًا: أشعر وكأنَّني فقدتُ ابني. منذ أن بدأ يختلط بهؤلاء الشباب، أصبح شخصًا مختلفًا. أخبرني كيف أصبح يستخدم هاتفه باستمرار، بل ويكذب بشأن واجباته المدرسيَّة!

بطبيعة الحال، رُبَّما نلاحظ أنَّ هذه المحادثة قد جسَّدت إحدى أكثر معضلات التربية إيلامًا ـ إن صحَّ لي القول ـ وهي ماذا تفعل عندما لا يعجبك أصدقاء أو صديقات ابنك وابنتك؟ وهنا نعي تأثير الأقران الحقيقي مع الوقت، والتغير الجذري خلال سنوات المراهقة. فعندما يكون الأطفال صغارًا، يقضون معظم وقتهم في عوالم أصغر وأكثر خضوعًا للإشراف، حيثُ في المنزل مع العائلة وفي المدرسة مع مُعلِّمين يراقبونهم عن كثب. ولكن مع انتقال الأطفال إلى مرحلة المراهقة واكتسابهم المزيد من الاستقلاليَّة، يصبح للأصدقاء أهميَّة أكبر، ويملؤون الفراغ الَّذي كان يشغله الآباء والمُعلِّمون سابقًا. لذلك هذا التحوُّل ليس علامة على فشل الوالدين، بل هو جزء طبيعي من نُمو المراهقين، حيثُ يبدأ الشباب في الانفصال ولو بشكل داخلي غير مباشر عن أُسرهم وتكوين هُوِيَّتهم الخاصَّة!

بلا شك هنا يفكِّر الآباء غير الراضين عن أصدقاء أبنائهم في نهجين ألا وهما الحظر أو الاستسلام السلبي. وكلاهما ليس الأمثل طبعًا. من ناحية، قد يأتي الانفصال الإلزامي عن بعض الأصدقاء بنتائج عكسيَّة. وهنا أتحدث عن نظريَّة الممانعة، فعندما يشعر بعض الأفراد ـ مثلًا ـ بأنَّ حُريَّتهم مهدَّدة، فإنَّهم عادة ما يزدادون حماسًا لمتابعة النشاط أو العلاقة المحظورة. وعليه، أخبر مراهقًا أنَّه لا يستطيع رؤية بعض الأصدقاء، وستصبح هذه العلاقات أكثر اهتمامًا وتأثيرًا مما كانت ستكون عليه لولا ذلك!

من ناحية أخرى، قد يبدو الوقوف مكتوف الأيدي بَيْنَما يتخذ الطفل خيارات مقلقة بمثابة تخلٍّ عن مسؤوليَّته الأبويَّة. خصوصًا عندما يتبنَّى الطفل سلوكيَّات أو قِيَمًا مقلقة، فإنَّ غريزة مقدِّم الرعاية بالتأكيد هي التدخل. وهنا تشير الدراسات إلى أنَّه بالرغم من أنَّ الأقران لدَيْهم تأثير هائل على خيارات المراهقين اليوميَّة، مثلًا ماذا يرتدون؟ وكيف يقضون وقت الفراغ؟ إلَّا أنَّ الآباء يُمكِنهم الاحتفاظ بنفوذ كبير على القِيَم الأساسيَّة لأطفالهم وقرارات الحياة الرئيسة، بما في ذلك مَن يختارون قضاء الوقت معهم! مع ذلك كُلِّه، يجب على الآباء أن يتذكروا أنَّه لا يُمكِنهم تعليم قِيَمهم في عرض تقديمي، بل على العكس فهذه القِيَم تعلم في آلاف اللحظات الصغيرة، ومن خلال مراقبة والديهم، وليس بالضرورة من خلال الاستماع إليهم.

لذلك سنرى أنَّه من أكثر الاستراتيجيَّات فعاليَّة للآباء الَّذين يعانون من تأثير الأقران تعزيز جاذبيَّة المنزل. هذا لا يعني التنافس مع الأصدقاء على اهتمام ابنك المراهق، بل يعني جعل المنزل مكانًا يرغب طفلك وأصدقاؤه في الجلوس فيه، ومتابعة أفكارهم والبقاء حَوْلَهم. خصوصًا أنَّه في أحيان كثيرة قد يتجاوز تأثير الأقران الحدَّ الفاصل بَيْنَ الإزعاج والخطر. فإذا كان أصدقاء الطفل متورطين في سلوكيَّات تُشكِّل خطرًا على صحَّته، فقد يكون التدخل المباشر أكثر ضرورةً. طبعًا في هذه الحالات، قد تكون مساعدة الطفل على إيجاد طُرق أكثر صحَّة لتلبيَّة تلك الاحتياجات، سواء من خلال الرياضة أو خدمة المُجتمع أو غيرها من الأنشطة والَّتي تكون أكثر فعاليَّة من مجرد محاولة التخلص من التأثيرات السلبيَّة.

ولعلِّي أرى هنا ومن منظور شخصي أنَّ الأهم من ذلك كُلِّه، أن يثق الأهل بالأُسُس الَّتي بنوها مع أبنائهم. فمرحلة المراهقة تختبر كُلَّ شيء إلى حدٍّ ما: حكم الطفل، وعلاقاته الأُسريَّة. فعندما لا يحب أحَد الوالدين أصدقاء طفله، قد يبدو الأمر بمثابة استفتاء على أسلوب تربيته، ونظرة استشرافيَّة لمستقبله. ولكن في أغلب الأحيان، تكون هذه الصداقات جزءًا من عمليَّة معقدة يمرُّ بها المراهقون في محاولة فَهْم معتقداتهم واهتماماتهم ـ إن استطعت أن ألمح بذلك! ـ

ختامًا، ليس من واجب الوالدين التحكم، بل بقاء مقدِّم الرعاية محبًّا يثق في نهاية المطاف بقدرة طفله على اتخاذ قرارات صائبة. أحيانًا يعني ذلك مشاهدتهم يتعلمون الدروس بصعوبة، ولكنَّه يعني أيضًا البقاء بجانبهم عندما يكونون في أمَسِّ الحاجة إلى أحَد الوالدين.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]