في مسار التَّنمية العُمانيَّة المستدامة، يبرز التَّنويع الاقتصادي كخيار استراتيجي لضمانِ مستقبل أكثر استقرارًا، وقدرة على مواجهة تقلُّبات أسواق الطَّاقة، وقد وضعتْ رؤية «عُمان 2040» هذا المسار في صلب أولويَّاتها عَبْرَ بناء اقتصاد متنوِّع يَقُوم على أعمدة رئيسة، في مقدِّمتها الصِّناعة، إلى جانب السِّياحة والطَّاقة المُتجدِّدة والخدمات اللوجستيَّة، وغيرها من القِطاعات. ومن هذا المنطلق يُنظر إلى المُدُن الصناعيَّة كمراكز إنتاجيَّة متكاملة، تتولى مهمَّة التَّرويج والتَّسويق، وربط المنتَج الوطني بالأسواق العالميَّة، هذا التَّحوُّل يعكس إدراكًا متزايدًا بأنَّ أيَّ استراتيجيَّة للتَّنويع ستظلًّ ناقصة ما لم تتمكنِ الصِّناعة العُمانيَّة من توسيع حضورها خارج الحدود، وتحويل هُوِيَّتها من صناعة محليَّة إلى صناعة ذات منافسة إقليميَّة ودوليَّة، وهنا تبرز أهميَّة الخطط التسويقيَّة الَّتي تبنَّتها (مدائن)؛ باعتبارها أداة عمليَّة لترسيخ موقع القِطاع الصِّناعي ضِمن منظومة التَّنمية المستدامة الَّتي تراهن عَلَيْها سلطنة عُمان لمستقبلها.
وإذا كان مسار التَّنمية قد وضَع الصِّناعة كأحَد أعمدته الرَّئيسة، فإنَّ ما قامت به «مدائن» خلال النِّصف الأوَّل من عام 2025، يقدِّم صورة عمليَّة لكيفيَّة تحويل هذا التوجُّه الاستراتيجي إلى خطوات ملموسة على الأرض، فقَدْ نفَّذتِ المؤسَّسة خطَّة تسويقيَّة متكاملة هدفتْ إلى تجاوز المفهوم التَّقليدي للتَّرويج؛ لِتصبحَ المُدن الصناعيَّة منصَّات استقطاب واستثمار وتوسيع للأسواق، ومن خلال تنظيم عشر فعاليَّات رئيسة في ستَّة أشْهُر فقط، شملتْ ستَّة معارض خارجيَّة في أسواق متنوِّعة من الخليج إلى شمال إفريقيا وآسيا، إضافةً إلى معارض محليَّة ولقاءات مباشرة مع المستثمِرِين، ظهر أنَّ الهدف فتح أبواب جديدة أمام المنتجات الوطنيَّة، وقَدِ انعكست هذه الجهود سريعًا في نتائج واضحة، من توقيع (115) عقدًا تجاريًّا في مَعرِض «جلفود»، إلى استقطاب تسعة مشاريع صناعيَّة جديدة باستثمارات تتجاوز (13) مليون ريال عُماني.. وهذه المعطيات تؤكِّد أنَّ التَّسويق تحوَّل إلى سياسة اقتصاديَّة داعمة للتَّنويع، تحمل أثرًا مباشرًا على الاستثمارات والصَّادرات العُمانيَّة.
إنَّ قوَّة أيِّ خطَّة تسويقيَّة ترتبط ـ بجانب ما تُحقِّقه من عقود وصفقات فوريَّة ـ بما تخلقه من أرضيَّة مستقبليَّة تُعزِّز تنافسيَّة الصِّناعة الوطنيَّة على المدى الطَّويل. لذا يبرز بُعد آخر يتمثل في التوجُّه نَحْوَ البحث والتَّطوير كركيزة مكملة للتَّسويق والاستثمار. فمشروع إنشاء مركز أبحاث وتطوير متكامل في واحة المعرفة مسقط يعكس إدراكًا بأنَّ الصِّناعة العُمانيَّة تحتاج إلى قاعدة علميَّة وابتكاريَّة تُواكِب متطلبات الأسواق العالميَّة، وتحوّل الأبحاث الجامعيَّة إلى حلول عمليَّة قابلة للتَّطبيق في خطوط الإنتاج، كما أنَّ دراسة موقع (مدائن) التَّنافسي في قِطاع الصِّناعات الطبيَّة، تكشف عن محاولة استباقيَّة لاقتناص فرص جديدة في قِطاع حيوي يرتبط بالطَّلب المتنامي على التقنيَّات الطبيَّة والدوائيَّة إقليميًّا ودوليًّا، ما يجعل التَّرويج حلقة ضِمن منظومة أوسع للابتكار، تَضْمن للصِّناعة الوطنيَّة أنْ تتحولَ من منافس ناشئ، إلى لاعب مؤثِّر قادر على فرض نَفْسه في الأسواق الإقليميَّة والعالميَّة.
ولعلَّ النَّتائج الَّتي تحقَّقتْ خلال فترة قصيرة تحمل دلالة مشجِّعة، غير أنَّ الطَّريق إلى ترسيخ موقع الصِّناعة العُمانيَّة في الأسواق العالميَّة يظلُّ مرتبطًا بمدى قدرة بيئة الأعمال على مُواكبة هذه الجهود.. فالمَعرِض قد يفتح الأبواب ويجذب المستثمِرِين، لكن ما يُحدِّد استمراريَّة المشاريع هو وضوح الإجراءات وسهولتها منذُ مرحلة الاستفسار وحتَّى بدء التَّشغيل، ومن هنا يكتسب مشروع (رحلة المستثمر) أهميَّة خاصَّة؛ لأنَّه يحاول معالجة واحدة من أبرز العقبات الَّتي تواجه الاستثمار، وهي البيروقراطيَّة وتشعُّب المسارات الإداريَّة. إنَّ الرِّهان الحقيقي يتمثل في تحويل الخطَّة التسويقيَّة من نشاط مرحلي إلى استراتيجيَّة متكاملة، تدمج بَيْنَ التَّرويج والبحث والابتكار وتسهيل الإجراءات، ما يجعل المُدن الصناعيَّة عنصرًا فاعلًا في منظومة التَّنمية المستدامة، وتتحول إلى منصَّات إنتاج وتصدير تُسهم في تنويع مصادر الدَّخل، وتُعزِّز حضور السَّلطنة في سلاسل القِيمة الإقليميَّة والدوليَّة.