الأحد 31 أغسطس 2025 م - 7 ربيع الأول 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : التعليم أهم مشروع وطني لصناعة المستقبل

السبت - 30 أغسطس 2025 04:20 م

رأي الوطن

20


مع انطلاقة العام الدِّراسي الجديد في سلطنة عُمان، تَعُودُ بنا الذَّاكرة إلى مرحلة تأسيس النَّهضة العُمانيَّة المباركة، حين دعا المغفور له بإذن الله تعالى، السُّلطان قابوس بن سعيد ـ طيَّب الله ثراه ـ إلى جعلِ التَّعليم أولويَّة وطنيَّة حتَّى لو تحت ظلِّ شجرة، وتحوَّلتْ تلك الصَّيحة إلى قاعدة راسخة انطلقتْ مِنْها مَسيرة بناء الدَّولة العُمانيَّة الحديثة، حيثُ أصبحَ التَّعليم منذُ اللَّحظة الأُولى جواز المرور إلى العصر الجديد.. واليوم تتواصل تلك المَسيرة برعاية كريمة من لدُن حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ الَّذي تعهَّد منذُ تولِّيه مقاليد الحُكم، بإيلاء المنظومة التَّعليميَّة كامل العناية، وتطويرها بما يُلبِّي متطلبات الحاضر، ويستجيب لتحدِّيات المستقبل. وحين يجلس أكثر من نصف مليون طالب من أبنائنا في مقاعدهم الدراسيَّة، تُصبح المناسبة حدثًا وطنيًّا يجمع بَيْنَ الوفاء لتضحيات الآباء الَّذين مهَّدوا الطَّريق بسواعدهم، والاعتزاز بما تحقَّق من منجزات، والتطلُّع إلى آفاقٍ جديدة تجعل من المدرسة مصنعًا للقِيَم والمعرفة، وفضاءً يترجم طموح وطن يضع الإنسان في صدارة أولويَّاته.

لقَدْ تخطَّى التَّعليم في سلطنة عُمان فكرة أنْ يكُونَ دَوْره بناء المعارف وحْدَها، وأضحى مشروعًا إنسانيًّا متكاملًا يهدف إلى صياغة شخصيَّة الطَّالب العُماني، بما يجعله عنصرًا فاعلًا في مُجتمعه. فالمدرسة أصبحتْ بيئة تحتضن القِيَم وتغرس الهُوِيَّة، بقدر ما تقدِّم المعرفة، فهي تصنع مواطنًا واعيًا بقِيمته، معتزًّا بهُوِيَّته الوطنيَّة، منتميًا لوطنه، ومؤمنًا بأنَّ مستقبله يرتبط بمقدار ما يقدِّمه من عطاء.. ومع كُلِّ عام دراسي جديد، تتجدد هذه الرِّسالة في فصول التَّعليم، حيثُ يتحول الدَّرس إلى فرصة لترسيخ الانتماء، ويصبح المُعلِّم شريكًا أساسيًّا في بناء الوعي الوطني، إلى جانب دَوْره الأكاديمي. ولعلَّ الجهود الوطنيَّة المبذولة في تحديث المناهج وإدماج التقنيَّات الحديثة تؤكِّد أنَّ التَّعليم تخطَّى كونه وسيلة لإكساب المعارف، وتحوَّل إلى ركيزة حضاريَّة تصوغ الإنسان العُماني وتؤهِّله لِيكُونَ قادرًا على مواجهة تحدِّيات العصر والمساهمة في مَسيرة التَّنمية، وهكذا يغدو مقعد الدِّراسة نقطة انطلاق نَحْوَ مستقبل يستند إلى قاعدة صلبة من العِلم والقِيَم والهُوِيَّة الوطنيَّة. يُمثِّل التَّعليم في رؤية «عُمان 2040» استثمارًا استراتيجيًّا لا يقلُّ أهميَّة عن استثمارات البنية الأساسيَّة أو الثَّروات الطبيعيَّة؛ لأنَّه الاستثمار الوحيد القادر على صناعة إنسان يمتلك الأدوات الَّتي تجعله شريكًا في بناء اقتصاد متنوِّع ومستدام، فكُلُّ طالب يتخرج من المدرسة مزوَّدًا بالمعارف والمهارات هو مشروع إنتاجي، يُضيف إلى رصيد الوطن، ويُعزِّز من قدرته على مواجهة التحدِّيات المستقبليَّة؛ لذا فربط التَّعليم بمتطلبات سُوق العمل، وتوجيه المناهج نَحْوَ مجالات الابتكار والبحث العلمي، يعكس وعيَ الدَّولة بأنَّ التَّنمية لا تتحقق من دُونِ عقولٍ مدرَّبة قادرة على التَّعامل مع تقنيَّات الطَّاقة المُتجدِّدة، والاقتصاد الرَّقمي، والصِّناعات الإبداعيَّة.. وهنا تبرز أهميَّة البرامج الوطنيَّة في تحديث المناهج، وإعداد جيل يمتلك المهارات النَّاعمة والصُّلبة في آنٍ واحد، وعِندَ هذه النُّقطة، يُصبح الحديث عن الواجبات الَّتي تقع على عاتق أبنائنا الطلاب أمرًا لا بُدَّ مِنْه، فَهُم مطالبون تجاه وطنهم بالإخلاص والاجتهاد، وتجاه مُعلِّميهم بالاحترام والتَّقدير، وتجاه أُسرهم بالمسؤوليَّة والجديَّة؛ لِكَيْ يجنوا ثمار هذه الَمسيرة التَّعليميَّة المباركة.

ومع إشراقة كُلِّ عام دراسي جديد، يسأل طلاب الحاضر آباءهم: كيف كانت صعوبة التَّعليم فيما مضى؟ وكيف تحوَّل من مقاعد تحت ظلِّ شجرة إلى منظومة متكاملة تحتضنها مدارس حديثة وتقنيَّات رقميَّة متطوِّرة؟ هذا الحوار بَيْنَ الأجيال يفتح أعْيُن الطلاب على حجم الإنجاز، ويجعلهم أكثر وعيًا بقِيمة ما يعيشونه اليوم. غير أنَّ هذه النِّعمة تضع على عاتقهم واجباتٍ واضحةً، تبدأ تجاه وطنهم بالاجتهاد والمثابرة لِيكُونُوا حُماة منجزاته وصنَّاع مستقبله، وتجاه مُعلِّميهم بالالتزام والانضباط والاحترام؛ تقديرًا لجهود مَن يحمل رسالة التَّنوير، وتجاه أُسرهم بالجديَّة والتفوُّق عرفانًا بتضحياتهم. وهنا تتضح الحقيقة الأعمق: أنَّ الطَّالب لم يَعُدْ متلقيًا سلبيًّا ينتظر ما يُمنح له، وإنَّما شريك أصيل في العمليَّة التَّعليميَّة، وطرف فاعل فيها، يكمل جهود الوطن والمُعلِّم والأُسرة في عَقدٍ تربوي متين، ومن خلال هذه الشَّراكة تتجسَّد رسالة المدرسة كجسر بَيْنَ الماضي الَّذي صنع البدايات والحاضر الَّذي يرسخ المنجزات والمستقبل الَّذي يحمل طموحات عُمان وأبنائها.