دائمًا ما يلفت الانتباه حجم المسؤوليَّة الوطنيَّة الَّتي يتأبطها ويتمسك بها هذا الشَّعب العُماني العظيم، وهذه المصطلحات ينبغي أن لا تفهم ضمن سياقات التلميع والمبالغة، بل هي الحقيقة العُمانيَّة الدامغة الَّتي يستشعر بها كُلُّ مَن يعيش في هذا الوطن العزيز، ويَجِبُ استثمار مواقفها التاريخيَّة الصلبة الَّتي سجَّلها العُمانيون بأحْرُف من نور. ولا شك هناك شواهد كثيرة في التاريخ العُماني المعاصر قد نطوف استئناسًا بها وتنشيطًا للذاكرة الوطنيَّة، بالمقابل ينبغي أيضًا عدم الخلط بَيْنَ القضايا الوطنيَّة الكبرى الَّتي تشكِّل المصير والمستقبل وبَيْنَ الهموم الوطنيَّة الداخليَّة المهمة؛ أي أنَّه عِندَما نتحدث عن القضايا المصيريَّة لا يعني ذلك غياب الهموم الوطنيَّة أو صم الآذان عَنْها، بل إنَّ الهموم الوطنيَّة قضيَّة رئيسة ضمن سياقات الحياة اليوميَّة الَّتي لا نفتأ الحديث عَنْها والتذكير بها دائمًا، ومطالب معالجتها ضرورة وطنيَّة ملحَّة لتحقيق المعادلة الوطنيَّة بكُلِّ امتياز لِمَا له من دَوْر مؤثِّر في تعزيز الحياة الوطنيَّة .
الحديث عن الوحدة الوطنيَّة وترجمتها على أرض الواقع من خلال الشواهد التاريخيَّة والراهنة الَّتي انتفض فيها أبناء هذا الوطن الأوفياء أمام عواصف الأحداث قد عَبَّرَ عَنْه العُمانيون بكُلِّ اقتدار ومسؤوليَّة، وبشكلٍ يرفع الهامات بالفخر والاعتزاز، وهي في الحقيقة ركيزة من ركائز القوَّة الوطنيَّة الَّتي تتجلى دائمًا على أرض عُمان العزيزة، وهي تعبير عن متانة الوطن وقواه الحيَّة الَّتي واءمت الحضارة والبيئة مع قِيَم الإنسان العُماني فنهل من تلك الحضارة، وانعكس ذلك على تمسُّكه بترابه الوطني المقدَّس.
الحديث عن الحالة الوطنيَّة العُمانيَّة اليوم ليس ضمن سياق التجاذبات الرَّاهنة على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي أو قياسًا بحالة ظرفيَّة، لكنَّها رُبَّما تشكِّل أحد المجسَّات الَّتي تبرهن الموقف الوطني العُماني الَّذي جاء مترجمًا صورة مصغرة، ومؤكدًا على حقيقة الانتماء والوحدة الوطنيَّة الَّتي تشكِّل صمام الأمان ومصدًّا لكُلِّ مَن يحاول المساس بهذا الوطن، والمواقف العُمانيَّة دائمًا أبعد من ذلك بكثير، فالتاريخ العُماني حافل بتجارب وطنيَّة مشهودة.
في طلائع نهضة عُمان الحديثة بقيادة السُّلطان قابوس ـ طيَّب الله ثراه ـ وجد العُمانيون أنْفُسهم بَيْنَ الغربة الَّتي فرضتها ظروف ما قَبل النهضة وبَيْنَ الاستجابة السريعة لبناء الوطن والتصدي للمخاطر المحدقة الَّتي تعصف به، فكان الاصطفاف الطبيعي مع الوطن في لحظة فارقة استشرف فيها العُمانيون المستقبل الكريم مع ذلك القائد التاريخي فتهافتوا لبناء الوطن، وتشرفوا بتقديم التضحيات والشهداء، وتوحيد الصف والقضاء على الانقسام ونبذ كُلِّ ما يفرِّق، فكان هناك حلم ومشروع وطني رسمه قابوس ـ رحمه الله ـ الَّذي وضع على عاتقه الإنسان العُماني، فجاء يحمل رسالة لهذا الوطن، وانطلقت بشائر النهضة العُمانيَّة الحديثة بخطط تنمية توازت مع نهضة في التعليم والبناء من أجلِ حياة أفضل لأبناء عُمان .
وفي الألفيَّة الجديدة كانت لهذا الشَّعب العظيم أيضًا مواقف متجددة برهنت أنَّ الأجداد العُمانيِّين الَّذين تصدّوا للغزو البرتغالي هم أنْفُسهم الَّذين أتوا من الغربة ليقدِّموا أرواحهم في سبيل الذَّود عن حياض الوطن ومجابهة الانقسام الاجتماعي والتصدي لمحاولات تقسيم التراب الوطني، فلم يكُنْ غريبًا أن تبرز تلك اللحمة الوطنيَّة الَّتي تخللت الأحداث الشَّعبيَّة فجاءت رؤية القيادة معَبِّرة ومتماشية مع القضيَّة الوطنيَّة، كما برز التعاضد العُماني أمام الأنواء المناخيَّة الَّتي عَبَرَت سلطنة عُمان لتسجِّل أيضًا ملحمة وطنيَّة وحالة من الاصطفاف الوطني الَّذي يُعَبِّر عَنْه العُمانيون بإرادة وعزيمة معززة بالروح الوطنيَّة، ونحن على ثقة ويقين تام أنَّ أحفاد أولئك الرجال الَّذين طردوا البرتغاليِّين من عُمان وسواحل الخليج وإفريقيا هم مؤهلون وطنيًّا وحضاريًّا للاصطفاف مجددًا في أيِّ لحظة تاريخيَّة يفرضها الحاضر والمستقبل لمواجهة كُلِّ الأحداث ولله الحمد.. حفظ الله عُمان وجعلها ذخرًا لأُمَّتها على الدوام، والله نِعم المولى ونِعم النصير.
خميس بن عبيد القطيطي