الأحد 31 أغسطس 2025 م - 7 ربيع الأول 1447 هـ
أخبار عاجلة

الحقيقة لا تغتال

الحقيقة لا تغتال
الأربعاء - 13 أغسطس 2025 01:08 م

د.أحمد مصطفى أحمد

180

لم أتصور أبدًا أنَّ الزمن سيصل بي بعد نَحْوِ أربعة عقود من العمل بالصحافة والإعلام أن أشهد تدهورًا مهنيًّا بهذا الشَّكل، وفي كيان يوصف زورًا وبهتانًا بأنَّه «الديموقراطيَّة الوحيدة في الشرق الأوسط». يوم الأحد الماضي كان هناك ما وصف إعلاميًّا «مؤتمر صحفي» لرئيس حكومة الاحتلال الصهيوني مع الإعلام الأجنبي. انتظرتُ أن أسمع من أيِّ صحفي في المؤتمر سؤالًا ذا معنى أو محاججة للمتحدث الَّذي وصلتْ به بجاحة الكذب إلى حدِّ قلب حقائق يراها الصحفيون بأُم أعينهم على الأرض. وبدا كأنَّ كُلَّ الأسئلة معدَّة مسبقًا بطريقة توفر للمتحدث منصَّة للكذب والتلفيق والتضليل. كرَّر رئيس حكومة الاحتلال كذبه الفج بأنَّه لا توجد مجاعة في غزَّة وأنَّ المقاوَمة هي مَن يسرق طعام الفلسطينيِّين. وألقَى بتبعة كُلِّ المجازر والدمار والتجويع على المقاومة حتَّى لم يبقَ إلَّا أن يقول إنَّ أكثر من ستين ألفًا من الفلسطينيِّين المَدنيِّين العزَّل الأبرياء هم مَن قتلوا أنْفُسهم ولم تقتلهم «إسرائيل» بالأسلحة الأميركيَّة الفتاكة!! غالبًا ما كان الصحفيون والإعلاميون العرب ينظرون للصحفيِّين الأجانب من أسفل، على اعتبار أنَّهم أكثر مهنيَّة وموضوعيَّة وجرأة في كشف الحقائق والتدقيق في الدَّس المعلوماتي. لكن ما شاهدناه يوم الأحد نسف كُلَّ هذه المقولات، ولم يكُنْ هناك سوى حفنة من المروِّجين ومتعهدي «غسل الصورة» لاحتلال مُدان بكُلِّ الأدلَّة الممكنة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدَّ الإنسانيَّة بحقِّ الفلسطينيِّين.

يتفادى قادة الاحتلال العنصري التحدث مباشرة مع الصحفيِّين منذُ فترة، ويكتفون ببيانات يسجلونها ويبثونها عَبْرَ الإنترنت يرددون فيها الأكاذيب. ومع أنَّ الإعلام الغربي في أغلبه، والعربي الَّذي ينقل عَنْه أو ذلك الَّذي لا يجد غضاضة في التعامل مع الاحتلال ومتحدثيه على أنَّهم بَشَر أسوياء، ينقل دومًا الرواية «الإسرائيليَّة» إلَّا أنَّ هناك بعض المنافذ وبعض الصحفيِّين يحاولون «غربلة» الأكاذيب قليلًا لإضفاء قدر من المصداقيَّة على رسالتهم الإعلاميَّة. لكن هذا القدر الضئيل من الموضوعيَّة غاب تمامًا في المؤتمر الصحفي لرئيس حكومة الاحتلال الَّذي أراد إيصال رسالة، عَبْرَ الإعلام المؤيد له ولجرائمه، تخفف قليلًا من الضغط العالمي المتمثل في خروج الملايين في شوارع المُدن الغربيَّة احتجاجًا على المجازر اليوميَّة بحقِّ الفلسطينيِّين الأبرياء وتجويعهم حتَّى الموت في أبشع عمليَّة تطهير عِرقي بتاريخ البشريَّة المعاصر. حتَّى أنَّ كثيرًا من الحكومات الغربيَّة بدأت تنتقد الاحتلال الصهيوني علنًا وتعهد أغلبها بإعلان اعترافها بدولة فلسطين في سياق «حل الدولتين» في فلسطين المحتلَّة. هناك أيضًا ضغط داخلي مع ما يبدو من فشل الاحتلال في تحقيق أي أهداف من الحرب البشعة على الفلسطينيِّين العزَّل.

لا يرى قادة الاحتلال أنَّهم يرتكبون جرائم، بل يلومون الرأي العام لأنَّه لا يصدق كذبهم وتضليلهم. لذا كان من أهمِّ ما قاله رئيس حكومة الاحتلال إنَّه سيكسب «الحرب الإعلاميَّة». وكأنَّ الصور الحيَّة وأعداد الشهداء من القصف والجوع والدمار الشامل في قِطاع غزَّة الَّذي تنقله الكاميرات من هناك ليس حقيقيًّا وإنَّما افتئات على إرهاب الاحتلال قاتل الأطفال!! لم تمضِ ساعات قليلة على الوعد بكسب حرب الإعلام حتَّى قام طيران الاحتلال بقصف خيمة صحفيِّين بجوار مستشفى الشفاء ليحرقَ خمسة صحفيِّين وإعلاميِّين من بَيْنِهم اثنان من آخر المراسلِين الَّذين بقوا في قِطاع غزَّة ينقلون جرائم الاحتلال للعالم بصوَر حيَّة مباشرة. كان مراسلا قناة الجزيرة أنس الشريف ومحمد قريقع آخر مَن تبقَّى شمال قِطاع غزَّة الَّذي دمِّر تمامًا وهجِّر أهله إلى الجنوب نَحْوَ رفح في أكبر معسكر اعتقال بَشَري يفوق ما فعله النَّازي خلال الحرب العالميَّة. واستنادًا إلى أنَّ العالم الغربي، وبعض العربي، يصدقه رأى الاحتلال العنصري أنَّ اغتيال الصحفيَّين الباقيَيْنِ سيعني اختفاء الحقيقة والعودة إلى تسييد روايته الكاذبة الملفقة وتقليل غضب الرأي العالم على البشاعات الَّتي ينقلها هؤلاء الصحفيون بشكلٍ واقعي تمامًا.

صحيح أنَّ الاحتلال الصهيوني لم يكُنْ أبدًا بحاجة لمقدِّمات لاغتيال الصحفيِّين الَّذين ينقلون الحقيقة، فقد سبق وقنصتْ قوَّاته المراسلة شيرين أبو عاقلة قَبل الحرب الأخيرة على غزَّة. لكنَّ محاولة اغتيال الحقيقة زادت بقوَّة مع بدء حرب التطهير العِرقي والإبادة الأخيرة قَبل نَحْوَ عامين حتَّى أنَّ الصحفيِّين والمراسلين الأجانب لا يسمح لهم بتغطية غزَّة من على الأرض خشية من الاحتلال أن ينقلوا الحقيقة بمصداقيَّة تظهر جرائمه. في النِّهاية هذا الاحتلال يقتل ويحرق الفلسطينيِّين منذُ ثلاثة أرباع القرن دُونَ الحاجة لأسباب ويجد مَن يدعمه ويحميه حتَّى من طائلة القانون الدولي. إنَّما منذُ بداية الحرب الأخيرة اغتال الاحتلال حوالي مئتين وأربعين صحفيًّا في غزَّة. وهو ما يفوق الضحايا من الصحفيِّين في الحرب العالميَّة الأولى والحرب العالميَّة الثَّانية وحرب فيتنام وحرب البلقان وحرب أفغانستان مُجتمعين. إنَّها ببساطة محاولة يائسة لاغتيال الحقيقة، ومع أنَّ الحقيقة هي غالبًا الضحيَّة الأولى في أي حرب إلَّا أنَّ ما يفعله الاحتلال الصهيوني في غزَّة ليس حربًا فليس هناك جيش مقابل ولا دولة حتَّى. هي مجازر وحشيَّة بهدف التطهير العِرقي أساسًا. وإذا كان اغتيال أنس ومحمد يعطي قادة الاحتلال تصورًا واهمًا بأنَّهم يكسبون حرب اغتيال الحقيقة فهم واهمون؛ لأنَّ كُلَّ عين حيَّة في غزَّة ستظل شاهدًا على مجازرهم وجرائمهم ضدَّ الإنسانيَّة.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]