إنَّ من أهمِّ العقائد والأُسُس الَّتي تحكم الكيان العنصري الدموي الَّذي يحتل الأراضي الفلسطينيَّة هو تهجير أهل غزَّة لإفساح المجال لإنشاء الوطن العنصري الصهيوني تحت مسمَّى (وطن اليهود)، وهو مشروع ليس وليد اليوم، ولم يتوقف منذُ عدوان (48) حيثُ تمَّ تهجير (750) ألف فلسطيني من مختلف المناطق؛ بهدف إنشاء وطن قومي لليهود، مقابل التخلص من الشَّعب الفلسطيني، واتخذ التهجير أشكالًا وموجات مختلفة آخرها ما يحدُث في غزَّة الآن من إعلان رئيس وزراء الكيان المحتل (النتنياهو) احتلال غزَّة عسكريًّا ـ جيش الاحتلال يفرض سيطرته على (80%) من أراضي غزَّة ـ وهو ما يعني تحوُّلًا جذريًّا في العقيدة العسكريَّة والتكتيك للكيان الدموي المحتل، بتغيير أهداف الحرب المعلنة من القضاء على المقاومة إلى السيطرة الإقليميَّة، فيما كانت قبل الإعلان الأخير لمُجرِم الحرب رئيس وزراء الكيان المحتل كانت أهداف الحرب تتركّز على تدمير البنية الأساسيَّة للمقاومة، استهداف الأنفاق ومخازن السلاح، تقليص قدرات المقاومة، أمَّا إعلان الاحتلال من قِبل مُجرِم الحرب ـ حسب محكمة العدل الدوليَّة ـ فهو يعني نيَّة السيطرة الكاملة والمباشرة على الأرض. ممَّا سيسفر حسب الخطَّة انتشار جيش الاحتلال العنصري الدموي البَري بالكامل داخل المُدن والمُخيَّمات، بدلًا من تنفيذ عمليَّات نوعيَّة، بعودة الاحتلال المباشر بعد (20) عامًا من الانسحاب في العام 2005، والَّذي كان خلاله يتحكم عن بُعد من خلال الحصار والاستخبارات والطيران.
على أرض الواقع وبعد مرور أكثر من عامين على بدء طوفان الأقصى أثبتت المقاومة قدرتها الجبارة على مواجهة الآلة العسكريَّة الَّتي يمتلكها العدوُّ الصهيوني، كبَّدته خلالها العديد من الخسائر؛ لذلك فإنَّ جيش الكيان المحتل يحتاج إلى قوَّات بريَّة ضخمة، ستواجه بتحدِّيات أكبر من مقاومة باسلة تكبِّد العدوَّ خسائر كبيرة ستزيد مع زيادة أعداد القوَّات البريَّة، وهذا ما يخشاه رئيس أركان جيش الاحتلال يائيل زامير الَّذي عارض بشدَّة التوسع العسكري لِمَا سيتعرض له جيشه من مخاطر كبيرة. إنَّ غزَّة العزَّة بيئة حضريَّة كثيفة ومعقَّدة، ومعظم فصائل المقاومة تعتمد على تكتيكات حرب العصابات (كمائن، قنص، تفجير عبوات ناسفة، شبكة أنفاق معقَّدة) ممَّا يعني أنَّ السيطرة العسكريَّة من قِبل جيش الكيان المحتل ستعرِّضه لاستنزاف طويل الأمد، بعد أن يتحول القتال شارعًا بشارع، ما يزيد الخسائر ويطيل أمد الحرب، تضخُّم التكلفة البَشريَّة والماليَّة، وضغط دولي متزايد، مع تفجير جبهات أخرى (لبنان، الضفَّة الغربيَّة) لتوسيع المعركة بسبب إعلان الـ(نتنياهو) احتلال غزَّة ممَّا يعني تحوُّل الحرب إلى صراع بَري مفتوح طويل الأمد.
أهداف الـ(نتنياهو) من إعلانه احتلال غزَّة
يهدف رئيس وزراء الكيان المحتل من إعلانه احتلال غزَّة رغم فشلة خلال عامين من هزيمة المقاومة أو تحقيق أي من أهداف الحرب المعلنة، مع تلقيه دعمًا غير محدود من السلاح والمال والمواقف السياسيَّة من القوى الكبرى، سواء أميركا أو بعض الدول الأوروبيَّة وبعض دول الشرق الأوسط، إلَّا أنَّه لم يفعل سوى ارتكاب مذابح الإبادة الجماعيَّة، لذلك فهو يطمح من هذا الإعلان إلى تحقيق أي انتصار يؤدي في النِّهاية إلى تقاسم إدارة غزَّة بَيْنَ أطراف دوليَّة أو عربيَّة مع السُّلطة الفلسطينيَّة (لا توجد جهة عربيَّة أو دوليَّة مستعدَّة لقَبول هذه المهِمَّة مع رفض الفكرة لدى السُّلطة الفلسطينيَّة)، أو إدارة دوليَّة تحت إشراف الأُمم المُتَّحدة بغرض إبعاد الكيان المحتل عن مسؤوليَّة طويلة، ممَّا يعني أنَّ الوهم الَّذي يحلم به مُجرِم الحرب ضعيف في المدى القصير، وأنَّ المقاومة ستنتصر، وأنَّ العدوَّ الصهيوني سيهزم، وقد عَبَّرَ عن ذلك أحد أهم الكتَّاب الأميركان في صحيفة وول ستريت جورنال وليم جالستون الحاصل على الدكتوراه في العلوم السياسيَّة الَّذي أشار في مقال بعنوان (حماس لن تستلم أبدًا) إلى أنَّه يَجِبُ على (إسرائيل) أن تعلن النصر وتقبل بوقف إطلاق النَّار، وهذا يعني أنَّ المقاومة وفي القلب مِنْها (حماس) لن تستسلم حتَّى تحقق النصر، وعلى الكيان المحتل أن يعلن نصرًا كاذبًا لإرضاء الداخل ويوقف القتال ويجلس على طاولة المفاوضات لإنقاذ الأسرَى وأشلاء جنوده.
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن »