الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الدراجة الهوائية .. متعة الطفولة!

الدراجة الهوائية .. متعة الطفولة!
الاثنين - 11 أغسطس 2025 01:30 م

د. يوسف بن علي الملَّا

10

قَبل عَقدين من الزمان، عِندَما كنتَ تمشي في شوارعنا الهادئة، فمن المرجح أنَّك ستصادف رؤية من النوع الَّذي يطمئن قلبك؛ مجموعة من الأطفال في سن المدرسة يركضون في الشارع على الدراجات الهوائيَّة، مسلَّحين بإحساس قوي بالهدف، وبدون أيِّ أغطية رأس واقية! أمَّا الآن من غير المرجح أن تشاهد هذا النوع من المشاهد اليوم. فعلى مدار تسعينيَّات القرن الماضي، كان متوسِّط عدد الأطفال الَّذين تتراوح أعمارهم بَيْنَ السابعة والسابعة عشرة عامًا يركبون الدراجات الهوائيَّة رُبَّما ستة أضعاف ما نراه اليوم. وللأسف، لعلَّ النسبة تلك انخفضت أقلّ من ذلك بكثير في هذا العقد!

وهكذا مع هذا التراجع، أجزم هنا بأنَّ أطفالنا يفقدون أكثر من مجرَّد وسيلة نقل محتملة. كيف لا؟ وركوب الدراجات يدعم استقلاليَّة الأطفال وصحَّتهم العامَّة بطريقة لا تستطيعها العديد من الأنشطة الأخرى. ألستَ معي، بأنها طريقة رائعة للحركة وبناء القوَّة، ويُمكِنها تحسين التنسيق والتوازن؟ ومثل العديد من أنواع اللياقة البدنيَّة، يُمكِن أن تساعد في تقليل فرص إصابة الأطفال بأمراض القلب والأوعية الدمويَّة والسكري في المستقبل. ولكن بالمقارنة مع بعض الطُّرق الأخرى الَّتي يمارس بها الأطفال الرياضة، بمجرَّد تدريب الأطفال عليها، فإنَّها مباشرة لا تتطلب الكثير من الجهد من البالغين.

بطبيعة الحال، ركوب الدراجات الهوائيَّة، سواء بساحة المنزل، أو المزرعة أو بأيِّ متنزه تتميز بأنَّها لا تنشط الجسم بأكمله فحسب، بل تنشط أيضًا أجزاء مختلفة من الدماغ. فعلى سبيل المثال، ركوب الدراجات يساعد على تحسين التكامل الحركي للطفل، الَّذي يتضمن تنسيق الحركات المعقَّدة بَيْنَ الدماغ والعضلات. علاوةً على ذلك، يتطلب ركوب الدراجة تدريب الأطفال على الحسِّ العميق، وإدراك ـ إن استطعت القول ـ موقع أجسامهم في الفراغ! من ناحية أخرى، فإنَّ ركوب الدراجات الهوائيَّة يُعَدُّ نشاطًا اجتماعيًّا في كثير من الأحيان، سواء كان مع العائلة أو الأصدقاء أو ضمن مجموعة. وواقعيًّا يساعد هذا الجانب من ركوب الدراجات الأطفال على تطوير مهارات اجتماعيَّة مهمَّة، بما في ذلك التواصل والتعاون والتعاطف. وهذا حقيقة يكُونُ جليًّا عِندَ خروج الأب مع أولاده أو محاولة مشاركتهم هذه الهواية أو الرياضة الَّتي تجمع بَيْنَ التنفيس النَّفْسي والتواصل الإيجابي مع الأطفال. وهكذا ونحن في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا وتزداد فيه ساعات الجلوس أمام الشاشات أيًّا كانت، تظل الدراجة الهوائيَّة إحدى تلك الوسائل الَّتي رُبَّما تساعد لإعادة الأطفال إلى عالم الحركة والاكتشاف الَّذي عاشه العديد منَّا في طفولته. وكما ذكرنا آنفًا، فهذه الممارسة والرياضة تفتح أمام الطفل آفاقًا أوسع للتفاعل مع البيئة المحيطة، ويجعلهم يدركون أنَّ القوَّة الحقيقيَّة تكمن في النشاط والحيويَّة، لا في الخمول والركود!

ختامًا، نعي جميعًا أنَّنا في عصر تزداد فيه التحدِّيات الصحيَّة والنَّفْسيَّة للأطفال، لذلك وجدتُ من الجيِّد أن نختار هكذا رياضة وهواية بأن تغدوَ أكثر من مجرَّد لعبة، خصوصًا وأنَّها جسر يربط بَيْنَ متعة اللعب وفوائد الرياضة، وبَيْنَ حُريَّة الانطلاق وقِيَم الانضباط. ولعلَّه ذلك الطفل مع كُلِّ دَوْرة للعجلات، يكتب فصلًا لذكريات تبقى نابضة بالفرح طوال حياته ـ كما كانت للعديد منَّا! إنَّها استثمار بسيط، لكنَّه استثمار جميل في الأطفال وحياتهم المتوازنة.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]