الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

ألسن وحكايات : زياد الرحباني .. رحيل بحجم الوطن

ألسن وحكايات : زياد الرحباني .. رحيل بحجم الوطن
الأحد - 10 أغسطس 2025 02:28 م

ناصر المنجي

100


«أنا مش كافر بس الجوع كافر، أنا مش كافر بس المرض كافر، أنا مش كافر بس الفقر كافر والذل كافر، أنا مش كافر، بس شو بعملك إذا اجتمعوا فيّي، كل الأشياء الكافرين، أنا مش كافر».

كانت هذه الأغنية بداية تعرفي إلى عالم زياد الرحباني، قلت حينها لست الوحيد الذي ليس بكافر بل كل من في الأرض ليس بكافر لم نعهد هذا الصوت ولم نتعود على مثل هذه الموسيقى والكلمات، قال لي زميلي هذا هو زياد الرحباني، بهذه الكلمات كان زياد يُلخص أشياء كثيرة، مثل باقي أعماله الموسيقية والمسرحية وهو الذي بدأ يشتغل في الموسيقى بعمر الأربعة عشر عامًا، كان حصيلته لوعيه المبكر هو التمرد اللا إرادي على العائلة التي هجرها وهو صغير ليعيش مع أصدقائه، المدرسة، الأنماط الموسيقية السائدة التي كان يراها وكأنها تُكبّل حريته، الحرية التي يراها كانت مع الموسيقى، قال في حوار أُجري معه «أحاول أن أصنع موسيقى شرقية أحملها للعالم.. الغرب هو الذي يصنع موسيقانا الآن ويحملها إلينا»!!، لم تطغ عليه مدرسة الرحابنة بل أسس مدرسة خاصة به، تجد في أعماله ذلك التمرد الذي أوجد فنًّا أثّر على جيلٍ عربي كامل، لن تجد في أعماله الكوميديا السوداء بل كوميديا بالألوان جميعها.

أخذنا زياد في تطوافٍ فني جميل، سواء في المسرح بدايةً من مسرحية المحطة في بدايات سبعينيات القرن المنصرم من حياتنا، وانتهاءً بمسرحية لولا فسحة الأمل عام 1994 وبينهما العديد من المسرحيات الباقية في الوجدان إلى اليوم، فيلم أمريكاني طويل.. بالنسبة لبكرا شو؟.. نزل السرور.. بخصوص الكرامة والشعب.. شيء فاشل وغيرها من المسرحيات، لم تتبناه فيروز موسيقيًّا بل هو من تبناها حيث لحَّن لها أفضل ما غنت من أغاني ستظل تُردد من أجيالٍ لأجيال، قام أيضاً بعمل بعض البرامج الإذاعية عبَّر فيها عن مواقفه السياسية من الأحداث اللبنانية والحرب الأهلية، باختصار أثبت زياد أن الفن الحقيقي لا حدود له، لا حدود له مطلقًا.

للتعرف أكثر عن مشوار حياته وعلاقته بالموسيقى حصلت على حوار أجراه معه الشاعر والكاتب اللبناني صموئيل شمعون، وهو من أفضل وأصدق الحوارات القليلة التي أجريت معه، نتعرف عبره على زياد الطفل والطالب والمراهق، زياد الموسيقي، المتمرد الحالم، عن طفولته (فتّحت عيوني على المشاكل وعن سعيه للحصول على مسدس ليطلق النار على والدته وأبيه «لحسن الحظ لم ينجح المشروع»، يقول ضاحكًا، عن عمله عازف بيانو وهو صغير مع عدد من المعروفين كملحم بركات مقابل خمس عشرة ليرة في الساعة مما مكّنه من شراء سيارة ليهجر منزل العائلة ويزورهم بين فترةٍ وأخرى ليعرف ما حلّ بهم، عن حبه لدراسة الأدب في المدرسة، عن زياد الرحباني الثوري الذي نظم وشارك في إضراب طلابي مكون من فردٍ واحد هو زياد الرحباني، عن سعيه بوسائل عدة ليطرد من المدرسة وكلها كانت فاشلة، عن شيطناته العذبة في المدرسة، حاول زياد الانضمام في يفاعته إلى الحزب اللبناني لكن طلبه رُفض، حيث فضلوا أن يكون مناصرًا لهم على أن يكون عضوًا فاعلًا، يكشفُ في هذا الحوار عن أنواع الموسيقى العربية والعالمية التي يحبها وآرائه في الكثير من الموسيقيين والمطربين العالميين والعرب، يقول زياد في هذا الحوار: أنا أستعير الكثير من لغة الناس، وأغرف من قاموس الحياة اليومية، ثم يذهب الناس إلى المسرح ليسمعوا ما أخذت منهم، ويضحكون كما لوكنت أنا مؤلفها ولا يدرون أنه كلامهم، هنا أكشف أن زياد أخذ فنه من الشارع ومن تماسه مع الإنسان وهمومه اليومية سياسية واجتماعية.

يتخاصم اللبنانيون فيما بينهم ولكنهم توحّدوا حزنًا ودمعًا عند وداع زياد الرحباني، أنظر إلى فيروز وهي تستقبل المعزين، أراها تعيش اليُتم، هذه المرة لا تغني (أنا الأُم الحزينة) بل قلبها يخفق في دقاته بهذه الجملة، تم غسل زياد الرحباني بالموسيقى وتكفينه بمحبة الملايين ليوارى في قلوب الناس.

ناصر المنجي 

[email protected]