لم يَعُدِ الفضاء الرَّقمي منفصلًا عن حياة النَّاس اليوميَّة، بل جزء رئيس مِنْها، حيثُ تحوَّلت منصَّات التَّواصُل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة للفكر والرأي والتأثير، وأصبحتْ مرآة تعكس طبيعة المُجتمعات ومكانتها الأخلاقيَّة ومنطوق التفاعلات اليوميَّة الحاصلة في المحيط الشَّخصي والأُسري والاجتماعي والمؤسَّسي والوطني، بما تنقله من محتوى، وتتيحه من تفاعل، وتروِّجه من سلوكيَّات، إلى كونها أدوات لصناعة الرأي والتأثير والتوجيه. ولقد عكس العُمانيون على منصَّات التَّواصُل الاجتماعي صورة نوعيَّة جسَّدتِ الشخصيَّة العُمانيَّة في سلامها وتوازنها، امتدادًا لتربية راسخة في العقيدة والهُوِيَّة الإسلاميَّة والسَّمت العُماني الأصيل، فتميَّزوا بأخلاقهم الرَّفيعة فوق فوضويَّة الخِطاب والمجادلات السُّوقيَّة العقيمة المنتشرة في هذا الفضاء الرَّقمي، وتمسَّكوا بمواقفهم الأصيلة في دعم قضايا الأُمَّة المصيريَّة، وبما يتعاملون به من لباقة في الحوار وسُموٍّ في ردود الفعل، معَبِّرِين عن آرائهم باتِّزان وحكمة ووعي ومسؤوليَّة، دُونَ انجرار وراء حملات الإساءة.
لقد كشف الواقع الافتراضي في ظلِّ غياب الضوابط والانجراف وراء الشُّهرة والترند ورغبة الظُّهور، ممارسات ومظاهر لا تليق بالذَّوق أو الأخلاق العامَّة، في تفشٍّ لخِطابات الكراهيَّة، وانتشار المحتوى غير اللائق، والتَّساهل في استخدام الألفاظ المسيئة والعبارات السُّوقيَّة، والتَّمادي في الظُّهور المبتذل، والسلوكيَّات الَّتي تخدش ماء الحياء، وهبوط سحيق في المستوى القِيَمي والأخلاقي، اختلط فيها التَّرفيه بالمجاهرة بالمعاصي، والحُريَّة بالانفلات، والرَّغبات الشخصيَّة بفرض وصاية على السُّلوك العامِّ، وبرزتْ ظواهر التَّنمُّر الرَّقمي، ونشر الخصوصيَّات، والاستهانة بالحياء، وأُلصقتْ صورة مقيتة وباهتة بالالتزام والقِيَم والأخلاق حتَّى أصبح الفضاء الرَّقمي عُرضة للتَّشويه والسُّقوط القِيَمي، وهو أمْر يكشف عن تحوُّل خطير في وعي المستخدم، وتشويه مقلِق لصورة المُجتمع، وإساءة بالغة لقِيَمه وهُوِيَّته. فقَدْ باتتْ بعض هذه المنصَّات كيانات للابتزاز الإلكتروني، والتَّشهير، والتَّنمُّر، والتَّعدِّي على الخصوصيَّات، بل منصَّة لنشرِ العُري والابتذال، والتَّرويج للتَّفاهة والانحطاط تحت مسمَّيات مثل «التَّرفيه» أو «الحُريَّة الشخصيَّة».
وارتبط استخدام الفضاء الرَّقمي في السَّنوات الأخيرة بالمشاهد غير اللائقة، ومظاهر الانحراف الجسدي والسُّلوكي، واتسعتْ فرص الظُّهور باللباس الفاضح غير المحتشم، والتصرُّفات المخلَّة، والإيحاءات السَّاقطة، والَّتي تُعرض علنًا على الملأ دُونَ خجل أو حياء، عَبْرَ مقاطع مصوَّرة تستهدف إثارة الغرائز، وتشجِّع على تجاوز الخطوط الحمراء، بل وتحرِّض أحيانًا على سُلوك الدياثة، والشُّذوذ الجنسي والمثليَّة والعياذ بالله في تجاهل فاضح للآداب العامَّة، وقِيَم المُجتمع، وخصوصيَّة الفرد، بل واحترام المتابعين. لِتجدَ هذه السلوكيَّات طريقها إلى المتلقِّين من فئات عمريَّة صغيرة، خصوصًا المراهقين والشَّباب، بل أصبحتْ تُعرض عِندَ فتح أيِّ برنامج، سواء لتعديل الصور أو كاشف الأرقام أو أيِّ برنامج يراد مِنْه تحقيق غرض إيجابي لِتكُونَ هذه المقاطع والمناظر مفتاحه للولوج إلى البرنامج، بل امتدَّتْ لِتكُونَ هذه المقاطع وغيرها محتوى رقمي في تطبيقات «السناب شات» والإنستجرام» و»التيك توك» لتمثِّلَ هذه التَّطبيقات تهديدًا للهُوِيَّة وتهييجًا للغريزة، وأدوات لهدم الذَّوق، وترسيخ الابتذال كقِيمة بديلة، ودفع الشَّباب إلى تسطيح قِيَم العفَّة والحياء والغيرة والكرامة.
لقد تحوَّلتِ الحُريَّة غير المنضبطة في الفضاء الرَّقمي من وسيلة للتَّعبير البنَّاء إلى ساحة للفوضى والتسيُّب، وغابتْ فيها المعايير الأخلاقيَّة، وتفكَّكتْ فيها الضَّوابط الاجتماعيَّة، إلى درجة باتتْ فيها «المتابعات» و»عدد المشاهدات» مبررًا لنشرِ أيِّ شيء، حتَّى وإن كان يسيء للذَّوق العامِّ أو يحرِّض على الانحلال أو يخدش الحياء. وهكذا تمَّ اختزال الإنسان في جسده، والرسالة في الإثارة، والمحتوى في المهزلة، في مشهد مخجل لا يُعَبِّر عن القِيَم الَّتي ننتمي إِلَيْها، ولا يعكس مكانة المُجتمع، ولا يليق بكرامة المتلقِّي؛ وأنَّ من بَيْنِ الأمور الَّتي باتتْ تسيء للذَّوق والمشاعر العامَّة وتتنافى مع خصوصيَّة وهُوِيَّة المُجتمع ما يتعلق بالظُّهور الجريء وغير اللائق للمرأة في الفضاء الرَّقمي؛ نظرًا لِمَا يُمثِّله هذا السُّلوك من تهديد لمستقبل النَّاشئة، حيثُ يؤثِّر سلبًا على القِيَم والأخلاق الَّتي تربَّتْ عَلَيْها المُجتمعات. ويعكس هذا الظُّهور تمييعًا للشخصيَّة وانتهاكًا لمبادئ الحشمة والسِّتر، وينقل صورة مشوّهة عن المرأة تؤدي إلى تشويه الهُوِيَّة وتقليل احترام الذَّات. كما أنَّ هذه التصرُّفات تؤثِّر على تربية الأجيال القادمة، حيثُ تنتقل عادات غير لائقة من الأُمِّ أو الأخت أو المُعلِّمة إلى النَّاشئة، ممَّا يخلق جيلًا يعتمد على الاستهلاك المفرط للزينة والظُّهور بدلًا من البناء الفكري والأخلاقي.
عَلَيْه، لم تَعُدْ مسألة الذَّوق العام في الفضاء الرَّقمي شأنًا شخصيًّا، بل مسؤوليَّة وطنيَّة تتطلب تدخلًا تشريعيًّا حاسمًا، يُعِيد ضبط الحدود بَيْنَ الحُريَّة الفرديَّة والمصلحة المُجتمعيَّة. لا بُدَّ من وجود قانون خاص بالذَّوق الرَّقمي، يضبط السُّلوك الإلكتروني، تمامًا كما تضبط القوانين السُّلوك في الواقع الاجتماعي. يَجٍبُ أن يشملَ هذا القانون تجريم الممارسات المنافية للحياء، والتَّحريض على الفجور، ونشر المحتوى الخادش للذَّوق العامِّ، وأن تخرجَ هذه الأفعال من مظلَّة «الحُريَّة الشخصيَّة» إلى دائرة «المساءلة القانونيَّة». إصدار قانون خاصٍّ أو تعديل القوانين القائمة لِيشملَ العقوبات على مَن يظهر بمظهر غير لائق، أو ينشر محتوى مسيئًا، هو ضرورة ملحَّة لحماية الذَّوق العامِّ. وينبغي أن يتضمَّنَ القانون مدوَّنة سُلوك رقمي توضِّح ما يُعَدُّ تجاوزًا، وتحدّد العقوبات، وتوجّه الأفراد نَحْوَ الاستخدام المسؤول لهذه المنصَّات الَّتي أصبحتْ بمنزلة «أماكن عامَّة رقميَّة» يَجِبُ أن تخضعَ لضوابط النِّظام العامِّ والآداب.
ونظرًا لِمَا يُمثِّله التَّشريع من أداة ضابطة لهذا السُّلوك، فقَدْ شكلتِ النُّصوص القانونيَّة، كالمادَّة (47) من النِّظام الأساسي للدَّولة الصَّادر بالمرسوم السُّلطاني (6/2021)، والتَّعديلات على قانون الجزاء العُماني رقم (7/2018)، وقانون الجرائم الإلكترونيَّة وغيرها من الإجراءات التنظيميَّة ذات الصِّلة قاعدة قانونيَّة تُلزم باحترام الآداب العامَّة والذَّوق والمشاعر والنِّظام العامِّ، وإطارًا تنظيميًّا لحماية الذَّوق والهُوِيَّة المُجتمعيَّة. حيثُ سلَّط قانون الجزاء مثلًا الضَّوء على سلوكيَّات تخرق الذَّوق العامَّ، مثل الألفاظ غير اللائقة، والتَّصرُّفات الَّتي تخدش الحياء، لِتعكسَ وعي المشرِّع بأهميَّة حماية المجال العامِّ من الإزعاج والتَّلوُّث البصري واللَّفظي، ومن أيِّ سلوكيَّات تُهين الذَّوق المشترك الَّذي يُفترض أن يَسُودَ بَيْنَ أفراد المُجتمع.
إنَّ الذَّوق والمشاعر العامَّة منظومة متكاملة تبدأ من التَّربية في المنزل، وتنمو في المدرسة، وتُترجم في الخِطاب الإعلامي والتَّعليمي والدِّيني. لذلك فهو سُلوك روحي وأخلاقي، يُعَبِّر عن قوَّة الشخصيَّة ورُقيّ الفكر، ويتجسد في طريقة انتقاء الكلمات، والتَّفاعل مع الآخرين، وفَهْم مشاعرهم وظروفهم. إنَّ غرس الذَّوق العامِّ في النَّشء منذُ الصِّغر، يُسهم في بناء مواطن يعرف أنَّ الحُريَّة مسؤوليَّة، وأنَّ الذَّوق ليس رفاهًا، بل ضرورة للحياة الاجتماعيَّة المتَّزنة، وهو ليس مجرَّد تحسين للسُّلوك، بل هو تعبير عن الضَّمير الحي، ونضج الشخصيَّة، ووعي الفرد بمسؤوليَّته تجاه ذاته ومُجتمعه. إنَّ إهمال هذه القِيمة يفتح الباب لِتفوقَ القِيَم، وتهديد النَّسيج القِيَمي والأخلاقي للمُجتمع. ولعلَّ من أخطر مظاهر التراجع في هذا السِّياق هو التَّأثير السّلبي لبعض مروِّجي الدِّعاية والإعلانات التجاريَّة أو من يسمون بمشاهير وسائل التَّواصُل، الَّذين يروّجون لسلوكيَّات استهلاكيَّة تتنافى مع الذَّوق العامِّ، لها تأثيرها السّلبي على الشَّباب والمراهقين والأطفال من الجنسين في ظلِّ النَّماذج الوهميَّة الَّتي يصنعونها والصورة المزيّفة الَّتي يقدِّمونها والمفاهيم الماديَّة الَّتي يتعاملون بها.
من هنا يأتي التأكيد في ظلِّ هذه المعطيات للحاجة إلى وجود إطار تشريعي للذَّوق والمشاعر العامَّة يعالج غياب الضوابط في التَّعامل مع الفضاء الرَّقمي، سواء على شكل مدوَّنة للسُّلوك الرَّقمي، أو ميثاق أخلاقي في استخدام الفضاء الرَّقمي أو من خلال تعديل السِّياسات والتَّشريعات ومشروعات القوانين الَّتي تحافظ على مرتكزات وقواعد الذَّوق والمشاعر العامَّة والأُطر التشريعيَّة والضبطيَّة والإجراءات والآداب والأخلاقيَّات الَّتي يَجِبُ أن يلتزمَ بها الزائر والمُقِيم والمواطن حماية للخصوصيَّة والهُوِيَّة الوطنيَّة، وترقية لمبادئ الذَّوق الرَّفيع والمشاعر العامَّة، من حيثُ تغليظ العقوبات والجزاءات المرتبطة بجملة الأفعال والممارسات ذات العلاقة بالظُّهور غير اللائق أو المُسيء على المنصَّات الرَّقميَّة العامَّة، بما في ذلك اللباس، الألفاظ، والتَّصرُّفات المُنافية للذَّوق العامِّ؛ والتَّحريض على الفجور أو الإباحيَّة، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال النَّص أو الصوَر أو المقاطع المصوَّرة؛ ونشرِ أيِّ محتوى مخلٍّ بالحياء والآداب والذَّوق العامِّ أو مخالِف لقِيَم المُجتمع، وسواء كان تحت ستار الحُريَّة الشخصيَّة أو التَّرفيه. فإنَّ إصدار قانون أو تعديل القوانين القائمة لتجريم هذه الممارسات، باتَ ضرورةً مُلحَّة.
د.رجب بن علي العويسي