يحتاج النَّجاح في أيِّ تجربة سياسيَّة أو دبلوماسيَّة إلى جهدٍ مستمرٍّ لبناء أجيال تحفظ التَّجربة وتطوِّرها، والدبلوماسيَّة العُمانيَّة الَّتي رسَّختْ سمعتها على مدار عقود من الحياد الإيجابي، وحلِّ النِّزاعات بالوساطة الهادئة، وبناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى، لا يُمكِن أنْ تبقَى حيَّة ومُتجدِّدة، إلَّا عَبْرَ صناعة أجيال جديدة تحمل المبادئ نَفْسَها، لكن بأدوات تُناسب تحدِّيات عصرها. ومن هنا يبرز مشروع (السُّفراء الشَّباب) كخطوةٍ ضروريَّة للحفاظِ على هذه المدرسة الدبلوماسيَّة الفريدة. فالأُمم الَّتي تُحقِّق نجاحًا استثنائيًّا في مجال ما تدرك أنَّ هذا النَّجاح يحتاج إلى تخطيط طويل الأمد؛ حتَّى يظلَّ إرثًا مُتجدِّدًا يُعَبِّر عن هُوِيَّة الدَّولة في الحاضر والمستقبل، لذا فهذا البرنامج يُمثِّل خطوةً استراتيجيَّة تهدف إلى بناء كوادر شابَّة قادرة على تمثيل سلطنة عُمان بوعيٍ واحترافيَّة في مختلف المحافل الدوليَّة، وضمان استمرار النَّهج العُماني في إدارة العلاقات الدوليَّة بكفاءة وحضور فاعل.
إنَّ امتداد البرنامج لِيشملَ ممثِّلين من دوَل مجلس التَّعاون لدوَل الخليج العربيَّة يعكس رؤية عُمانيَّة العميقة، تؤكِّد أنَّ المصير واحد والتَّحدِّيات مشتركة، وأنَّ استقرار المنطقة وقوَّتها السِّياسيَّة والاقتصاديَّة يعتمد على قدرة أبنائها على العمل بروح الفريق. فالتَّحدِّيات الرَّاهنة لم تَعُدْ تسمح بحلول فرديَّة أو سياسات منغلقة داخل حدود الدَّولة، لكنَّها تحتاج إلى تكامل حقيقي يَقُوم على أجيالٍ جديدة، تُفكِّر بعقليَّة منفتحة وتمتلك أدوات التَّفاوض والحوار مع العالَم، والبرنامج يمنح الشَّباب الخليجي فرصةً للاطِّلاع على المدرسة الدبلوماسيَّة العُمانيَّة، وتجربتها الفريدة في إدارة الملفات الحسَّاسة، ويفتح الباب أمام بناء جيل خليجي متماسك قادر على قيادة التَّعاون السِّياسي والاقتصادي والأمني، ما يُمثِّل استثمارًا في مستقبل المنطقة بأسْرها، حيثُ تنشأ من خلالها شبكة علاقات إنسانيَّة ومهنيَّة قويَّة، تمتدُّ عَبْرَ دوَل الخليج، وتُعَدُّ نواةً لتحالفات فاعلة تستطيع مواجهة التَّحدِّيات الإقليميَّة والدوليَّة بروح الشَّراكة والعمل الجماعي.
تتجلَّى القِيمة العمليَّة لهذا البرنامج في الدَّمج الفريد بَيْنَ التَّعليم الأكاديمي، والتَّدريب الميداني الواقعي.. فجلسات المحاكاة الَّتي ينفِّذها البرنامج تمنح الشَّباب تجربة حقيقيَّة داخل بيئة، تحاكي الأُمم المُتَّحدة ومؤسَّسات صنع القرار الدّولي؛ لِيعيشَ المشاركون تفاصيل العمل الدبلوماسي اليومي، من إدارة المفاوضات المُعقَّدة إلى صياغة القرارات وبناء التَّحالفات. فهذه التَّجربة العمليَّة تخلق وعيًا سياسيًّا متطورًا، وتجعل المشارِكِين أكثر استعدادًا لِفَهْمِ التَّوازنات الدوليَّة، والتَّعامل مع المصالح المتضاربة بذكاء ومُرونة، والبرنامج بذلك يخرج من إطار التَّعليم التَّقليدي، لِيصبحَ مدرسة حقيقيَّة لصناعة القادة، حيثُ يكتسب الشَّباب مهارات التَّفكير الاستراتيجي، وحلِّ النِّزاعات بأُسلوب واقعي، ما يُعزِّز قدرتهم على التَّواصُل مع العالَم، وإدارة الملفَّات الإقليميَّة والدوليَّة بكفاءة عالية، تُمكِّنهم من الحفاظ على مكانة السَّلطنة في السَّاحة العالَميَّة.
وعلى المدَى الطَّويل يُمثِّل برنامج (السُّفراء الشَّباب) ركيزةً أساسيَّة لرؤية «عُمان 2040» الَّتي وضعتِ الإنسان في قلبِ مشروع التَّنمية الشَّاملة المستدامة. فالتَّنمية ـ بجانب المشاريع الاقتصاديَّة والبنية الأساسيَّة بقدرة الدَّولة على إعداد كوادر ـ تمتلك الفكر والمهارة لقيادة المستقبل، وهذا البرنامج يترجم تلك الفلسفة عمليًّا عَبْرَ تمكين الشَّباب، ومنحهم الأدوات اللازمة للمشاركة في صياغة السِّياسات والقرارات الدوليَّة. كما أنَّ المبادرة تؤكِّد أنَّ الدَّولة تُراهن على طاقات شبابها لا على مواردها الطبيعيَّة فقط، وتستثمر في بناء جيل يعرف كيف يحمي مصالح الوطن في عالَم سريع التَّغيُّر، ما يَضْمن استمرار حضور السَّلطنة الدبلوماسي المؤثِّر، وبناء جسر قويٍّ يربط الحاضر بمستقبل يليق بتاريخ عُمان العريق، ومكانتها الإقليميَّة والدوليَّة، جسرٍ يعتمد على الإنسان العُماني وقدرته على صناعة التَّغيير وقيادة مرحلة جديدة من التَّنمية والتَّأثير العالَمي.