الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

نزهة من الفحامين إلى كيوساكي

نزهة من الفحامين إلى كيوساكي
إبراهيم بدوي
الاثنين - 19 فبراير 2024 04:47 م

إبراهيم بدوي

عِندما دعاني أخي الأصغر للتنزُّه قليلًا في شوارع القاهرة الفاطميَّة، والمَشي بَيْنَ أروقة منازل ومساجد تخطَّى عمرها الألف عام. وبرغم جَمال المشهد والمنازل الَّتي تعَدُّ تحفًا فنيَّة إسلاميَّة في حدِّ ذاتها، وشكلِ المحالِّ التجاريَّة الَّتي لا تزال تحمل نَفْس الرونق رغم مرور السَّنوات وتغيير النّشاط التجاري، وبرغم أنَّ أطراف الحديث دارت حَوْلَ تعظيم الاستفادة من تلك المنطقة التاريخيَّة، وكيف يُمكِن أن تتحوَّلَ لمتحفٍ مفتوح يُسهم في زيادة النّشاط السِّياحي في المحروسة، إذا أُحسن إعادة ترميمها، ونقْل هؤلاء التجَّار إلى أماكن تجاريَّة أخرى في أحَد الأماكن الحديثة، خصوصًا مع الامتداد العمراني الَّذي شهدته مصر في العقود الأخيرة، حيث أنشئت أحياء جديدة قادرة على استيعاب تلك الأنشطة التجاريَّة.

ولعلَّ تلك الفكرة على الرغم من وجاهتها، إلَّا أنَّ مع الاستمرار في التنزُّه والحديث عن أسماء الأماكن المطلقة على مناطق بداخل هذا الجزء من قاهرة المُعز، والَّتي تحمل مُعْظمها أسماء مِهن انقرضت كالمغربلين والفحَّامين...إلخ، إلَّا أنَّ تلك المنطقة ظلَّت تحافظ على كونها مكانًا يجمع أصحاب المِهن التجاريَّة والَّتي تختلف باختلاف الأزمنة، لأجدني أتجاوز فكرة تعظيم الاستفادة من المكان، وأُفكر كيف استطاع أصحاب تلك المشاريع تجاوُز اندثار المِهن، وحدَّثوا من أنْفُسهم باستمرار لِيواكبوا متطلَّبات العصر وزبائنه، لِتثيرَ تلك الأفكار تساؤلات كثيرة جدُّا، تخطَّت حدود الزمان والمكان، واتَّسمت ببُعدٍ فلسفي عميق، يَدُور حَوْلَ كيفيَّة تخطِّي اندثار المِهن، خصوصًا وأنَّني أمتهنُ مِهنة الصحافة الورقيَّة الَّتي باتَتْ على مشارف الاندثار، كما أنَّني كأبٍ يشرف على تربية أبنائه، في عصر يطلُّ مِنْه الذَّكاء الاصطناعي، الَّذي سيؤدِّي دَوْرًا بثورته الصِّناعيَّة الرَّابعة في تغيير شكل وأنماط الكثير من المِهن الَّتي تربَّيْنَا عَلَيْها.

لِتأخذَني تلك التساؤلات نَحْوَ منحى جديد، ارتبط بما قرأتُه من كتاب «الأب الغني والأب الفقير» للكاتب الأميركي روبرت كيوساكي، والَّذي يستعرض تجربة الكاتب العمليَّة لِيصبحَ ثريًّا يواجِه تغيُّرات العصور، وهو كتاب قائم من منطلقٍ فكري يرى الفَرق بَيْنَ الفقر والغنى ليس مجرَّد ادِّخار أو استثمار الفرص، لكنَّه قائم على فقر فكري عِند بعض الأشخاص، حتَّى وإن كان لدَيْهم وظائف مرموقة، يمتلكون درجات أكاديميَّة مميَّزة، وبَيْنَ ثراء فكري يسعى إلى التعلُّم العملي مع وضع أُسُس متطوِّرة من النظام التعليمي الذَّاتي الَّتي وفق الكاتب تصنع الفارق بَيْنَ الشَّخص الغني والآخر الفقير، وهي أطروحات فكريَّة متعدِّدة يصعب تلخيصها في مقالٍ واحد، لكنَّها تتماشى مع فكرة التطوُّر التعليمي بما يواكب العصر.

وهنا لا نتحدَّث عن تعليم تلقيني وآخر ابتكاري، لكنَّه نظام تعليمي أراد المؤلِّف أن يتخطَّى فكر الدَّولة، وينطلق من الأُسرة، وهو ما يتَّضح من اختيار اسم الكتاب (أب غني، أب فقير)، في إشارة إلى أنَّه على الرغم من أنَّ الدَّولة هي الَّتي تصنع منظومة التعليم، إلَّا أنَّ الخيارات التعليميَّة للطفل أو الابن تنطلق من قناعات الآباء. فهذا الأب يريد أن يجتهدَ ابنُه ويتفوَّقَ في مجال ما، لِيحصلَ على وظيفة مرموقة، والآخر يعلم ابنه أنماطًا حياتيَّة تُعِينه على استثمار ما سيملكه، حتَّى لا يظلَّ رهينة تغيُّرات العصر، وهو ما أتِّفق فيه مع الكاتب، وهو ما صنع من حوانيت القاهرة الفاطميَّة محالَّ تجاريَّة تتحدَّى الاندثار رغم اندثار المِهن الَّتي أنشئت في رحابها، أمَّا الحديث بتفصيل أنَّ أفكار روبرت كيوساكي وكتابه يحتاج لمقال آخر.

إبراهيم بدوي