الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : فن المسافات

نبض المجتمع : فن المسافات
الأحد - 18 فبراير 2024 05:06 م

د. خصيب بن عبدالله القريني

20


في قانون المرور لإحدى الدوَل توجد قاعدة مروريَّة تؤكِّد على أهمِّية وجود مسافة كافية بَيْنَك وبَيْنَ السيَّارة الَّتي أمامك، وإن لَمْ تتقيَّدْ بهذه المسافة ستتعرَّض لمخالفة مروريَّة. في اعتقادي الشَّخصي أنَّ هذه القاعدة تنسحب على جوانب كثيرة في حياتنا نحتاج أن نضعَ لها مسافات، وبالتَّالي نُحقِّق أهداف تلك القاعدة الَّتي ـ بلا شك ـ أنَّ مَن وضعها في المجال المروري يفقَهُ إلى أيِّ مدى يُمكِن أن يقلِّلَ من حوادث المرور ويضْمَن السَّلامة للجميع. وما يحدُث في الحياة هو انعكاس طبيعي لقوانين المرور تلك، فكُلُّنا نهدف لتحقيقِ السَّلامة في الحياة، فالسَّلامة لا تنحصر في المرور، بل في النَّفْسيَّة أوَّلًا وأخيرًا.

أتحدَّث هنا عن فنِّ المسافات في العلاقات الاجتماعيَّة، حيث إنَّ إجادته والتعامل وفق أُسُسه إحدى أهمِّ المهارات الَّتي يجِبُ أن يمتلكَها الجميع، لماذا؟ لأنَّ جلَّ مشاكلنا الاجتماعيَّة هي في تجاوزنا لهذه المسافات وعدم تحديدنا لمداها أثناء التعامل مع مختلف أجناس البَشَر الَّذين تربطنا بِهِم علاقة صداقة أو زمالة أو أيِّ نَوْع آخر من أنواع العلاقات. ففي كثير من الأحيان نعدُّ فلانًا صديقًا عزيزًا ونقحمه في أدقِّ تفاصيل حياتنا، ونقحم أنْفُسنا في أدقِّ تفاصيل حياته، نزعل لزعله، ونرضى لرضاه، ونخوض حروبًا بالوكالة عن ذلك الشَّخص لمجرَّد أنَّنا نعتقد بأنَّه صَدِيق مقرب، لِنكتشفَ لاحقًا بأنَّنا قَدْ تجاوزنا المسافات الَّتي ما كانت يجِبُ أن تصلَ لهذا الحدِّ، بل كان يجِبُ أن نتوقَّفَ عِند مدى معيَّن لا نذهب بعيدًا عَنْهُ، حتَّى لا يحدُث الصدام الشَّبيه بالقاعدة المروريَّة الَّتي تحدَّثنا عَنْها، ونبدأ بعدها في إعداد كشف الخسائر الَّتي لحقت بِنا جرَّاء عدم تقيُّدنا بهذه المسافة. وتظهر كذلك قضيَّة المسافات في نطاق العلاقة المرتبطة بالعمل؛ فليس كُلُّ زميل هو صديق في النِّهاية. وهنا تتماهى هذه القاعدة بصورة أكثر من نطاق الصَّداقة المتعارف عَلَيْه. فزميل العمل ليس صديقًا؛ وبالتَّالي لا تحاول أن تمدَّ مدى المسافة لمستوى الصَّداقة، بل اعرف أين يقع حدُّ تلك المسافة باختصار، كم هُمْ أولئك الزملاء الَّذين ما لَبِثْنا أن انتقلنا من مواقع العمل الَّتي نلتقي بِهِم فيها إلَّا وأصبحوا غرباء بَيْنَ يومٍ وليلة؛ لأنَّ ما كان يربطنا سوى العمل فقط، فضعْ مستوى المسافة هنا بما يتناسب ومدى العمل الَّذي يجمعكم ولا تزِدْ عَلَيْه. وتظهر المسافات أيضًا في علاقة العمل مع الجنس الآخر، حيث يجِبُ أن يعرفَ كُلُّ واحد مقدار المدى الَّذي لا يتجاوزه عِند التَّعامل بحيث لا يُسبب ذلك إشكاليَّات في غنًى عَنْها.

لا أتحدَّث هنا عن تسطيح العلاقات وهو المفهوم الشَّائع الَّذي يعالج تقريب المسافات، بل أتحدَّث عن مدى قياس المسافات بَيْنَك وبَيْنَ الآخرين، وكُلَّما كنتَ قادرًا وماهرًا في القياس أسْهَم ذلك في نجاح علاقاتك بالآخرين، فيجِبُ أن تعرفَ ذلك جيِّدًا، وتعرفَ إلى أيِّ مدى يُمكِن أن تصلَ بعلاقتك مع أيِّ شخص، ومدى العلاقات يختلف ما بَيْنَ نطاق الصَّداقة العامِّ الَّذي يكُونُ في العادة أوسع من ذلك المرتبط بالعمل، ولكن في النِّهاية الدقَّة في القياس مطلوبة.

قَدْ يقول قائل: وهل هنالك مدى معيَّن؟ الواقع مَن يتحكَّم في ذلك هو أنتَ وخبراتك. فمع مرور الوقت ستكتشف بنَفْسِك هذا المعيار وهذه الحدود، ولَنْ تفيدَك النَّصائح، بل إنَّ الجميع يفضِّل أن يمرَّ بالتجارب بنَفْسِه لِيكتشفَ حَجْم هذه المسافات، بل إنَّك لو نصحتَ أيَّ شخص لَنْ يقتنعَ بكلامك، فدعْهُ وشأنَه وستكشف له التجارب هذا المدى من المسافات.

إنَّ القاعدة المروريَّة الَّتي تحدَّثنا عَنْها في بداية المقال تتشابَه نظريًّا فقط مع الفكرة الَّتي طرحتها، ولكن ـ واقعيًّا ـ هي قاعدة جامدة إذا تربط المسافة بمدى محدَّد. بَيْنَما هنا أتحدَّث عن قاعدة مَرِنة، وهذه المرونة هي سرُّ النَّجاح فلا يُمكِن أن تقفَ في مدى واحد عِند تعاملك مع الجميع، بل يجِبُ أن تعرفَ المدى وتمارسَه وتجربَه وتتأثرَ بنتائجه. فمِن خلال تجاربك وخبراتك ستصل لهذه القاعدة، فالبعض يصلها مبكرًا وبعضنا في منتصف العمر وكثير مَن يصلها في نهاية العمر والبعض يموت ولَمْ يعرفْها أو يجربْها.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]