السبت 04 أبريل 2026 م - 16 شوال 1447 هـ

الملاح العماني ابن ماجد فـي ذاكرة العالم

الملاح العماني ابن ماجد فـي ذاكرة العالم
السبت - 26 أبريل 2025 12:51 م

نجوى عبداللطيف جناحي

20


ما زلنا نذكر المسلسل التلفزيوني الَّذي أنتجه تلفزيون سلطنة عُمان في عام 1980، وعرضته بعض محطاَّت دول الخليج العربي، والَّذي يجسِّد سِيرة الملَّاح والعلَّامة العُماني الشَّهير أحمد بن ماجد الملقب بأسد البحار. وفي هذا المسلسل تابع المشاهدون مغامرات هذا الملَّاح العلَّامة المشوِّقة بكُلِّ حماس، وقد وثَّق هذا المسلسل إسهامات أسد البحار في علوم الملاحة، واكتشافاته، وتعامله مع البحارة الأجانب مثل (فاسكودي جاما). لقد تمَّ إنتاج هذا المسلسل بكفاءة عالية واستقطب له الكتَّاب والخبراء في مجال الفنِّ والإعلام لِيتمَّ إنتاج عمل تلفزيوني بكفاءة فنيَّة عالية. حيثُ كتَب النَّص والسيناريو والحوار، بقلم المؤرِّخ يوسف أبو ريشة، ومثل أدوار الشخصيَّات التَّاريخيَّة نخبة من الفنَّانين العرب، حيثُ أدَّى دَوْر أحمد بن ماجد الممثل القدير محمود سعيد، وأدَّى دَوْر ابنته الفنَّانة القديرة هناء ثروت، أمَّا دَوْر (فاسكودي جاما) فقام به الممثل أحمد مرعي، بالإضافة لمشاركة الفنَّانة القديرة، سهير البابلي. لقد ترك هذا المسلسل التلفزيوني أثرًا كبيرًا، فهو يُشكِّل توثيقًا تاريخيًّا لحياة الملَّاح العلَّامة أحمد بن ماجد، ويوثِّق إنجازاته، ويحفظها من الضياع، كما أنَّ هذا المسلسل ترك أثرًا كبيرًا في نفوس المشاهدين من أطفال وشباب وكبار، حيثُ شعروا بالاعتزاز بعروبتهم وموروثهم العلمي، وشكَّلت شخصيَّة هذا العلَّامة قدوة لهم حيثُ ربط بَيْنَ العِلم وخوض البحار، والالتزام بتعاليم الدِّين الحنيف، وتمسُّكه بوطنيَّته وهُوِيَّته وإخلاصه لبلاده، وقد لاقى هذا المسلسل في حينه اهتمامًا واسعًا في العالَم العربي. لقد بذل أبناء عُمان جهودًا لتوثيق تاريخ وإنجازات الملَّاح والعلَّامة العُماني أحمد بن ماجد على مستوى العالَم، ولنا وقفة عِندَما عمل العُمانيون على توثيق شخصيَّة العلَّامة العُماني ابن ماجد على مستوى العالَم، حيثُ عملوا على إدراج اسمه ضِمن برنامج الذِّكرى الخمسينيَّة أو المئويَّة للأحداث التَّاريخيَّة المهمَّة والشخصيَّات المؤثِّرة عالَميًّا ضِمن أعمال الدَّوْرة الواحدة والأربعين للمؤتمر العام لليونسكو 2021 بمناسبة مرور ستمئة عام على ميلاده.

وتوالت جهود أبناء عُمان لتوثيق تاريخ وإنجازات الملَّاح والعلَّامة العُماني أحمد بن ماجد على مستوى العالَم، حيثُ اجتهدوا لتوثيق مخطوطة وهي عبارة عن أحَد كتُب ومؤلَّفات هذا العلَّامة، يوجز بها عِلمه في قصيدة شعريَّة قافيتها حرف (النون) لذا سُمِّيت بالنونيَّة. ولَعَمري أنَّ هذا العلَّامة لهو مبدع خلَّاق في جميع المجالات فهو يصيغ ما توصَّل له من عِلم في مجال الملاحة والفلك في قصيدة شعريَّة مبدعة واختار حرف النون قافيَّة لهذه القصيدة تيمنًا بذا النون (سيِّدنا يونس عَلَيْه السَّلام) الَّذي قضى سنوات يجوب البحار في بطن الحوت، كما جاب ابن ماجد البحار على ظهر السَّفينة، يقول الله تعالى في سورة سورة الأنبياء الآية (87) (وذا النون إذ ذهب مغاضبًا) حيثُ ذكر المفسِّرون أنَّ ذا النون يقصد به سيِّدنا يونس، وسُمِّي بذي النون لابتلاع الحوت له فالنون هو الحوت.

لقد عمل أبناء عُمان على توثيق مخطوطة النونيَّة الكبرى لِتكُونَ في ذاكرة العالَم حيثُ أدرجت منظَّمة الأُمم المُتَّحدة للتربيَّة والعِلم والثَّقافة (اليونسكو) المخطوطة العُمانيَّة «النونيَّة الكبرى» في برنامج سجل ذاكرة العالَم في عام 2025، وتُعدُّ هذه المخطوطة من أهم المخطوطات العالَميَّة في مجال الملاحة وعلوم البحار، إذ تُسجّل معلومات قيِّمة عن مؤلِّف المخطوطة هو الملَّاح العُماني أحمد بن ماجد السعدي، وقد منح المخطوطة عنوانًا آخر كتبه تحت النونيَّة الكبرى أسماها «قصيدة الخيل».

وتتوالى جهود أبناء عُمان لتوثيق شخصيَّة هذا العلَّامة العُماني، حيثُ بذل العُمانيون جهودًا جبارة لتوثيق هذه الشخصيَّة، ففي الـ(22) من أبريل من عام 2025 أعلن بريد عُمان بالتَّعاون مع البريد الروسي عن مبادرتهما لإصدار طابع بريدي مشترك، احتفاءً بالعلاقات التَّاريخيَّة الراسخة بَيْنَ البلدَيْنِ الصَّديقَيْنِ، في إطار توثيق أواصر التَّعاون وتوسيع آفاق الشَّراكة في المجالات ذات الاهتمام المتبادل وذلك ضِمن زيارة «دولة» لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى روسيا الاتحاديَّة. كما دشَّن بريد عُمان طابعًا تذكاريًّا خاصًّا بتصميم فنِّي مميّز، بمناسبة مرور أربعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسيَّة بَيْنَ سلطنة عُمان وروسيا الاتحاديَّة، ويستوحي الطَّابع تصميمه من الإرث البحري العريق الَّذي يربط بَيْنَ البلدَيْنِ، مجسِّدًا شخصيتَيْنِ بارزتَيْنِ من القرن الخامس عشر الميلادي كان لهما دَوْر محوري في تطوير فنون الملاحة والمعرفة الجغرافيَّة هما الرحَّالة العُماني الشَّهير أحمد بن ماجد السعدي، الَّذي قدَّم إسهامات علميَّة رائدة في وصف البحار والمواقع الجغرافيَّة، ومِنْها بحر قزوين ومدينة دربند، والتَّاجر والرحَّالة الروسي (أفاناسي نيكيتين) أوَّل روسي يزور شِبه الجزيرة العربيَّة. نعم: كم من أُمم بنَتْ حضارات بعلومها وفنونها ومبانيها وإنجازاتها، إلَّا أنَّ الزمان درسها ومحا آثارها؛ لأنَّ أبناءها لم يحفظوا هذه العلوم ولم يوثقوها، فتوثيق إنجازات السَّابقين العلميَّة والفنيَّة والمهنيَّة يُشكِّل توثيقًا للحضارات، فهو بمثابة حفظٍ لذاكرة الأُمَّة وتجسيدٍ حيّ لحضارتها عَبْرَ العصور. إنَّ الأُمم الَّتي تهتم بتوثيق علومها وفنونها تَضْمن لأجيالها القادمة مرجعًا غنيًّا، وتُثبت حضورها في سجلِّ التَّاريخ الإنساني، فالحضارة لا تُقاس فقط بما يُنجز، بل أيضًا بما يُحفظ ويورث... ودُمْتُم سالِمِين.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

[email protected]

Najwa.janahi@