عندما قرأتُ مؤخرًا خبر ختام مشاركة سلطنة عُمان في معرض برلين السِّياحي، شعرتُ كأنَّ الزمن عاد بي إلى لحظةٍ بعيدة، حينما وجدتُ نفسي، دُونَ تخطيط مسبق، جزءًا من مشهد سياحي لم أكُنْ أدرك آنذاك مدى تأثيره، كُلُّ شيء بدأ عندما طُلب منِّي أن أكُونَ بديلًا لأحَد الزملاء، لتغطية زيارة وزير السِّياحة آنذاك لبعض المواقع السِّياحيَّة البِكر، وعلى رأسها قرية (وكان) السَّاحرة، لن أنسى كيف تحوَّلتْ حرارة الصَّيف اللاهبة إلى نسيم بارد لحظة صعودي إلَيْها، كأنَّها عالَم آخر مخبَّأ فوق الجبال، فبرغم أنَّ الصعود مرهق، لكنَّه كشفَ لي عن وَجْه آخر لعُمان، لم أكُنْ أعرفه من قَبل، كانتْ تلك الرحلة أكثر من مجرَّد عمل صحفي، فقد كانتْ أوَّل لقاء لي مع قِطاع السِّياحة العُماني، الَّذي كان لا يزال حينها يشق طريقه الأوَّل، بلا استراتيجيَّة واضحة، وبلا بنية أساسيَّة متكاملة، ولكن بحلمٍ كبير.
ثمَّ توالتِ التَّجارب، وعاد بي القدر مرَّة أخرى إلى هذا العالَم المختلف عن قوالب السِّياسة أو الاقتصاد الجامدة، وذلك عندما كُلّفت بمرافقة وفد سياحي أوروبي في جولة امتدَّتْ لأكثر من يوميْنِ، لم أكُنْ أعي وقْتَها مدَى أهميَّة هؤلاء الزوَّار، لكن سرعان ما أدركتُ أنَّهم ليسوا مجرَّد سيَّاح، بل صنَّاع قرار في كبرى الشِّركات السياحيَّة، جاءوا ليكتشفوا عُمان، الَّتي كانتْ في بداية التَّحوُّل من قِطاع سياحي نَحْوَ صناعة سياحيَّة كبرى، حيثُ كانتِ الدَّولة ولا تزال تراهن على جعل هذا القِطاع أحَد أعمدة التَّنويع الاقتصادي، أتذكر جيدًا كيف كانتْ أعْيُنهم تلمع بالدَّهشة كُلَّما دخلوا إلى زقاق قديم في مسقط، أو وقفوا أمام امتداد الصحراء بلا نهاية، أو إعجابهم المفرط بالشواطئ، أتذكر حديث رائدة الأعمال الفرنسيَّة، الَّتي كانتْ تؤكِّد بثقة أنَّ السِّياحة العُمانيَّة تملك مُقوِّمات فريدة ستجعلها في موقع ريادي خلال سنوات قليلة، فلم يكُنْ حديثها مجاملة دبلوماسيَّة، بل رؤية خبيرة رأتْ جوهر التميُّز العُماني، حيثُ تمتزج الأصالة بالحداثة، وكيف تحافظ عُمان على روح المكان، بدلًا من أن تحاول ترويض الطَّبيعة أو صبغها بِلَوْنٍ صناعي. السِّياحة، كما فهِمتُها بعد تلك التَّجارب، ليسَتْ مجرَّد أرقام عن عدد الزوَّار، ولا مجرَّد ترويج للمناظر الطبيعيَّة، فالسِّياحة قصَّة تُروى، وتجربة تُعاش، وذكرى تُصنع، والنَّجاح الحقيقي ليس في استقطاب السَّائح لِيزورَ المكان، بل في جعله يشعر بأنَّه جزء مِنْه، حتَّى بعد مغادرته، أن يَعُودَ لِيحكيَ لأصدقائه عن مذاق القهوة العُمانيَّة الَّتي لم يكُنْ يتوقَّعها، أو الحلوى الفريدة، أو عن البساطة الآسرة في حديث شيخٍ مسنٍّ في سُوق مطرح، أو عن لحظة الصَّمت الَّتي انتابته عند رؤية الجبال تلامس السَّماء، هذا هو جوهر السِّياحة العُمانيَّة، وهو ما يجعلها مختلفة، فالسَّائح لا يأتي فقط لِيشاهدَ الجبال الشَّاهقة أو لِيغوصَ في المياه الفيروزيَّة، بل يأتي لِيعيشَ لحظة الدَّهشة، ويأتي لِيشعرَ أنَّ الضيافة هنا ليسَتْ مجرَّد خدمة، بل هي إحساس عميق بأنَّه ليس غريبًا، بل مرحَّب به كجزء من المشهد. لقد تغيَّر قِطاع السِّياحة في عُمان كثيرًا منذُ تلك الأيَّام الأولى، ولم يَعُدِ الحضور العُماني في المحافل الدوليَّة مجرَّد مشاركة رمزيَّة، بل أصبح امتدادًا لاستراتيجيَّة واضحة، تعتمد على التَّخطيط المدروس، والتَّسويق الذَّكي، والأهمُّ من ذلك الاستثمار في التَّجربة الإنسانيَّة، فعُمان اليوم لا تبيع مشاهد جميلة، بل تقدِّم وعدًا بتجربة مختلفة، حيثُ الجَمال ليس مجرَّد صورة تُلتقط، بل إحساس يُعاش، وحيثُ كُلُّ تفصيلة، مهما بدَتْ صغيرة، تتحول إلى ذكرى لا تُنسى، رُبَّما هذا هو سر عُمان الَّذي لا يعرفه الكثيرون، والَّذي يجعل كُلَّ مَن زارها، يودُّ لو عاد إِلَيْها مرَّة أخرى، ليس فقط لاكتشاف أماكن جديدة، بل لِيستعيدَ جزءًا من روحه الَّتي تركها هناك، بَيْنَ الرمال والبحر، وبَيْنَ الجبال ووهج الضيافة العُمانيَّة الأصيلة.
إبراهيم بدوي