من السهل جدًّا أن يطلق شخص ما زخات نقده على الآخر، لا يفتأ لسانه إلَّا بالحديث نقدًا سلبيًّا طوال الوقت، مثل هذا النقد لا يكلف على المتحدث سوى نظرة سريعة حتى وإن كانت غير مستفاضة ومتعمقة في لُب العمل الذي ينتقده. وقد يكون الشخص المنُتَقد يعمل طوال سنين في مسعاه بمشقَّة وتعَب، وأفنى في هذا السعي وقتًا طويلًا.
كنتُ أتساءل دائمًا: ماذا لو كانت وسائل الإعلام والتواصل الحديثة موجودة في خضم أحداث الثورة الجزائرية الباسلة التي أخرجت الاحتلال الفرنسي في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم؟ كيف ستكون تغطية الأحداث؟ وماذا سيكتب المغرِّدون والمدوِّنون في حساباتهم حينها؟ ماذا عساهم أن يقولوا عن العمل البطولي الذي قام به المقاوِمون ضدَّ غزاة الغرب ذوي الصيت الاستعماري السيِّء؟ فهؤلاء المحتلون أتوا للمنطقة ليس لينشروا السلام والديمقراطية الواهمة، بل ليحتلوا بلدًا عربيًّا حُرًّا. هل سيلومونهم عن تدمير بلدهم؟ وعن الشهداء المليون والنصف الذين سقطوا جرَّاء آلة حرب غازية محتلَّة، ويلقون باللَّوم عليهم في ضياع أرواحهم؟ وهل ستسْلَم جميلة بوحريد المناضلة الجزائرية التي بدأت في الدفاع عن وطنها وهي في مقتبل عمرها ورفاقها من سهام النقد اللاذع، بنحوِ ما آلَ إليه حال شَعب محتل ليس له ذنب سوى أنَّه يدافع عن عزِّه وشرَفِ وطنِه ورفعة دِينه وإعلاء كلمة الحق؟ هذا بالطبع مع استثناء بعض الأصوات القليلة التي كانت حينها تساند الاحتلال الفرنسي لمصالح العدوِّ حتمًا. قِسْ على ذلك الحالة الليبية والاحتلال الإيطالي الذي دمَّر وقتل وفعل الأفاعيل، وكل الأحداث والمآسي التي تسبَّب بها العالم الديمقراطي الحُر كما يدَّعون حاليًّا، يا لها من ديمقراطية منصفة أن يناصر محتل ضد شَعب يعيش تحت وطأة الذُّل والهوان والتنكيل، وكم من النماذج التي تشابه حالات الاحتلال التي مرَّت على الشعوب.
إن ما نشهده اليوم في الحالة الفلسطينية هو في ذات السياق، المعنى الأكبر للاحتلال الذي يغض العالم البصر عنه وعن الجرائم التي عاث فيها المحتل فسادًا على مرِّ العقود، عقود صعبة مرَّت على شَعب نُكِّل وعانى الكثير، وشرب من علقم الظلم والاستبداد، فماذا عساهم يفعلون وهم يرون أشخاصًا يستولون على بيوتهم وأراضيهم في وضح النهار؟ فلنجعل أنفسنا مكانهم، ولنستشعر هذا الضيم الذي ألمَّ بهم، وكما قال الشاعر التونسي أبو القاسم الشابِّي يومًا «فلا بد لليل أن ينجلي ... ولا بد للقيد أن ينكسر»، فقد أراد الشَّعب الفلسطيني أن يعيش عيش الكرماء دون الذُّل والهوان الذي يلاحقهم من عدوٍّ همجي وقادة عبارة عن عصابات متجمعة، هنا حري بنا أن لا نُلقيَ تجاههم سهام النقد ونحن لم نعِشْ شعورهم ولم نُقاسِ ما عانوه طوال سنين.
علي بن جميل النعماني