الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الدور العماني فـي تعزيز الأمن العربي إسقاط فعال لنظريات السياسة والدبلوماسية الأمنية

الدور العماني فـي تعزيز الأمن العربي إسقاط فعال لنظريات السياسة والدبلوماسية الأمنية
السبت - 01 مارس 2025 02:10 م

المنتصر بن زهران الرقيشي

160

يُعَدُّ الأمن إحدى الرَّكائز الأساسيَّة لاستقرار الدوَل ورفاهيَّة شعوبها، ويتطلب تحقيقه تعاونًا إقليميًّا ودوليًّا متكاملًا، ومن هذا المنطلق، يأتي تكريم حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم بوسام الأمير نايف للأمن العربي من الدَّرجة الممتازة لِيثبتَ الدَّوْر المحوري الَّذي تؤدِّيه سلطنة عُمان في تعزيز الأمن والاستقرار العربي. ممَّا لا اختلاف فيه، تُعَدُّ سلطنة عُمان دَولة ذات ثقل محوري في السِّياسة الأمنيَّة والدبلوماسيَّة، ومورد الحديث يتجسَّد من خلال تميُّزها بسياسات متَّزنة ومتوازنة جعلتِ مِنْها لاعبًا رئيسًا وموثوقًا به في تعزيز الأمن الإقليمي والاستقرار في منطقة مليئة بالتَّحدِّيات، ويتزامن ذلك مع نهجٍ دبلوماسي حكيم وعلاقات متميِّزة مع مختلف القوى، ولا غرابة أنَّ منحَها ذلك موقع «الشَّريك الموثوق للدوَل الإقليميَّة والدّوليَّة على حدٍّ سواء في مواجهة التَّحدِّيات الأمنيَّة والسِّياسيَّة». إضافةً إلى ما تمتاز به بلادنا الحبيبة ـ سلطنة عُمان ـ بسياسة خارجيَّة مرتكزة على الحياد الإيجابي والسَّعي الدَّؤوب لتعزيزِ التَّعاون بَيْنَ الدوَل العربيَّة، وحُسن الجوار، إلَّا أنَّ المتابعة لهذا النَّشاط يُبرز أيضًا عددًا من المحاور الأساسيَّة الَّتي تجعل الدَّوْر العُماني في تعزيز الأمن العربي بارزًا ومقدَّرًا بدءًا من «التَّعاون الأمني العربي»، فالسَّلطنة تُشارك بشكلٍ فاعل في المبادرات الأمنيَّة المشتركة، وتحرص على حضور اجتماعات وزراء الدَّاخليَّة العرب، بالإضافة إلى تعاونها المستمرِّ مع المنظَّمات الأمنيَّة الإقليميَّة والدوليَّة مِثل الإنتربول (المنظَّمة الدوليَّة للشُّرطة الجنائيَّة) ومكتب الأُمم المُتَّحدة لمكافحة الإرهاب، وقد تبنَّتِ السَّلطنة في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظَّمة استراتيجيَّات عزَّزتْ من قدرات أجهزتها الأمنيَّة وتبادل المعلومات والخبرات مع الدوَل الشَّقيقة والصَّديقة، أضفْ إلى ذلك مساهمتها في وضع الخطط الاستراتيجيَّة لمواجهةِ الجرائم الإلكترونيَّة وتعزيز الحماية المَدَنيَّة، كما أنَّها تدعم الاستراتيجيَّة العربيَّة لمكافحة الاستخدام غير المشروع للمُخدِّرات والمؤثِّرات العقليَّة. ما ذكَرَ أعلاه يأتي ضِمْن دائرة التَّعاون المشترك، لكنَّ هناك محورًا فريدًا من نَوْعه، وهو ما يُطلق عَلَيْه «الدبلوماسيَّة الأمنيَّة ـ الجسر الواصل بَيْنَ السِّياسة والأمن»، وهي عناصر مشتركة ومميّزة وتشمل الحوار والتَّفاوض وبناء الثِّقة، إضافةً إلى التَّعاون الإقليمي والدّولي بما ينضوي معها من المعاهدات، الاتفاقيَّات، المشاركة في المنظَّمات الأمنيَّة الإقليميَّة والدّوليَّة، والمساهمة في البرامج الأمنيَّة المشتركة، كما يميِّزها الوقاية والتَّدخُّل المبكر، ومَنْع النِّزاعات قَبل أن تتصاعدَ، ومِنْها أيضًا الوساطة وحلُّ النِّزاعات، وتعزيز القدرات الأمنيَّة المشتركة وما إلى ذلك. يُمكِن فَهْمُ النَّهج العُماني في تعزيز الأمن العربي من خلال عدسة النَّظريَّات السِّياسيَّة الحديثة، والَّتي توضِّح مدى فاعليَّة هذه السِّياسات ومِنْها النَّظريَّة الواقعيَّة (Realism) والَّتي تُشير إلى أنَّ الدوَل تسعَى لتعزيزِ أمْنِها من خلال بناء التَّحالفات والتَّعاون الإقليمي، فالدَّوْر العُماني يُعَدُّ مثالًا واضحًا على كيفيَّة تحقيق الأمن الوطني عَبْرَ تقديم مبادرات أمنيَّة إقليميَّة، وتعزيز التَّعاون مع الدوَل الأخرى، ونظريَّة الواقعيَّة تقدِّم تفسيرًا لكيفيَّة تعامل عُمان مع القضايا الأمنيَّة من خلال تعزيز التَّحالفات الإقليميَّة وحماية مصالحها الوطنيَّة مع اتِّباع سياسة متوازنة، ممَّا يجعلها نموذجًا للدبلوماسيَّة القائمة على القوَّة النَّاعمة ضِمن إطار العلاقات الدّوليَّة الواقعيَّة.

أعلى النّموذج

أسفل النّموذج

يُمكِن أيضًا إبراز نظريَّة الاعتماد المتبادل (Interdependence Theory) ، حيثُ تدرك السَّلطنة أنَّ تحقيق الأمن في المنطقة يتطلب تضافر الجهود بَيْنَ الدوَل العربيَّة وتعزيز الرَّوابط المشتركة.. وببساطة ترَى هذه النَّظريَّة أنَّ الأمنَ يعتمد على التَّعاون المشترك، الاقتصاد القوي، والاستقرار السِّياسي، وتعكس السِّياسات العُمانيَّة تطبيقًا عمليًّا لنظريَّة الاعتماد المتبادل، حيثُ تدرك أنَّ أمْنَها لا ينفصل عن أمنِ المنطقة، ممَّا يجعلها شريكًا فاعلًا في تعزيز التَّعاون الإقليمي، حماية الممرَّات البحريَّة، والمشاركة في الجهود الأمنيَّة الدّوليَّة لتحقيقِ الاستقرار الإقليمي والعالَمي. ضِمْن السِّياق نَفْسِه، وبفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي، تشارك سلطنة عُمان في تأمين وسلامة «مضيق هرمز» الشِّريان الاقتصادي الأمني والحيَوي المُهمِّ ليس للدوَل العربيَّة فحسب، بل للمُجتمع الدولي، ناهيكم عن عملها الدَّؤوب جنبًا إلى جنبٍ مع الشُّركاء الدّوليِّين لحماية الأمن البحري في بحر العرب والمحيط الهندي، والمشاركة في الجهود الدّوليَّة لمكافحة القرصنة. لله الفضل والمِنَّة، استطاعتِ السَّلطنة بناء مكانة سياسيَّة فريدة تُعزِّز الأمن الإقليمي، وهو إرثٌ استمرَّ بقوَّة في عهد جلالة السَّلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ـ الَّذي عزَّز هذه السِّياسات، وجعلها أكثر فاعليَّة ومواكبةً للتَّحدِّيات المعاصرة، ويُعَدُّ استمرار هذه السِّياسات شاهدًا على تمسكُ عُمان بمبادئها في تعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال الحوار والتَّفاهم، بعيدًا عن التَّدخُّل في الشُّؤون الدَّاخليَّة للدوَل الأُخَر. فمثلًا، قادتها هذه السِّياسات الحكيمة للمساهمة في حلِّ عددٍ من النِّزاعات الإقليميَّة وتخفيف التَّوتُّرات، ممَّا جعلها نموذجًا للدبلوماسيَّة الأمنيَّة في منطقة مليئة بالتَّحدِّيات، والأمثلة مُتعدِّدة ويطول الحديث عَنْها في مقالة كهذه. ومن هُنا أوَدُّ أنْ أؤكِّدَ على أهميَّة التَّوثيق الدَّقيق للجهود العُمانيَّة في الأمن العربي لمساهمته في تعزيز فَهْم المُجتمع الدّولي لِدَوْر السَّلطنة في تحقيق الاستقرار. ومن الضَّروري أن تستمرَّ السَّلطنة في توثيق مساهماتها في التَّقارير الأمنيَّة العربيَّة والدّوليَّة، ممَّا يُعزِّز مكانتها كدَولةٍ رائدة في مجال الأمن الإقليمي.

المنتصر بن زهران الرقيشي

كاتب ـ الاتصالات الدولية والعلوم السياسية

حاصل على شهادة «مدرب متعاون» في مجالTOT

 [email protected]