ظُروف خاصَّة اقتضتْ تردّدي على محافظة شمال الباطنة خلال الشُّهور الماضية، وبالتَّحديد مدينة صحار، ورغم أنَّها ليسَتِ الزِّيارة الأولى لهذه المدينة الساحليَّة الجميلة، ولكن لفَتَ نظري حالة الانتعاش والتَّطوُّر العمراني الَّذي تعيشُه صحار، فقَدْ كانتْ زيارتي السَّابقة في 2020 وقت جائحة كورونا، وإجراءات حظرِ التَّجوُّل، وكانتْ في منتصف شهور الصَّيف، فلم تُتحْ لي الفرصة للتَّعرُّف على جَمال البحر في صحار وشاطئها السَّاحر شتاء.
كانتْ إقامتي في بناية على تطلُّ على شاطئ البحر مباشرة، صُمِّمت بنوافذ زجاجيَّة «بانوراميَّة»، بحيثُ تستطيع من خلالها رؤية البحر، ويتسلل إلى مسامعك صوت أمواجه الهادرة، مشهد يذكِّرني بـ «كورنيش» الإسكندريَّة قديمًا، مع اختلاف في الهدوء والسَّكينة، الَّتي ما زال يحتفظ بها الطَّريق البحري (الكورنيش) بصحار، وإن كان الأمْرُ لا يخلو من بعض الصَّخب ليلًا، حيثُ تكثر أصوات السيَّارات والدرَّاجات النَّاريَّة الَّتي تصدر هديرًا من محرِّكاتها، عِندَما تصل إلى الشَّارع البحري، في تقليد عُماني مشابِه لِمَا يحدُث في شاطئ القرم بمسقط، خصوصًا في الأعياد والمناسبات.
وطالَما كانتِ المقاهي والمطاعم، تعكسُ حالة الانتعاش في مدينة ما، وهذا ما لاحظتُه في الطَّريق البحري بصحار، حيثُ تنتشر على امتداده المقاهي والمطاعم بأنواعها المختلفة، والَّتي تغصُّ بالزَّبائن، خصوصًا في المساء وإجازة نهاية الأسبوع، كما وجدتُ مطاعم تفتحُ أبوابها منذُ الصّباح الباكر، وعَلَيْها إقبال كبير، وهو مشهد ذكَّرني بصباي، عِندَما كنتُ أزور مدينة الإسكندريَّة، وكانت هناك مطاعم شهيرة تُقدِّم وجبة الإفطار ـ بعيدًا عن «الفول والطعميَّة»ـ منذُ السَّادسة صباحًا، أتذكَّر مِنْها «ألبان سويسرا»، بالطَّبع تمتلك صحار مُقوِّمات سياحيَّة كبيرة تجعلها تنافِس أكبر المُدُن الساحليَّة، ولكنَّها ما زالتْ تحتاج لمن يستفيد مِنْها ويُحسن استغلالها.
لم أنسَ حاسَّتي الصحفيَّة، ورصدتُ بعض الاختلافات بَيْنَ مسقط حيث أقِيَم، ومدينة صحار، أشعُر أنَّ مسقط مدينة «ميتروبوليتان»، مدينة عالَميَّة منفتحة تتَّسع لعددٍ كبير من الجنسيَّات والأعراق، يفوق فيها عدد الوافدين العُمانيِّين، بَيْنَما صحار وولايات محافظة شمال الباطنة إجمالًا يغلب عَلَيْها الطَّابع العُماني، حيث أغلبيَّة السكَّان عُمانيون، ورغم تشابُه طبيعة العُمانيِّين في كافَّة أرجاء سلطنة عُمان، وتميُّزهم بالهدوء والطِّيبة وحُسن الخُلق، إلَّا أنَّه يُضاف لأهل صحار التَّواضُع الجمّ، وعدم التَّرفُّع عن ممارسة سائر المِهن والحِرف اليدويَّة، فأنتَ تجدُ الصّحاري بائعًا في محلِّ بيع الخضر والفاكهة، كما تجدُه طبيبًا وصيدليًّا ومهندسًا وفنيًّا يصلح الأجهزة الإلكترونيَّة، وبَيْنَما في مسقط يسيطر الوافدون على مهنة عامل التَّوصيل، ونادرًا ما نجدُ عُمانيًّا يتَّجه لهذه المهنة، نجدُ الصحاريِّين يمارسون هذه المهنة بكُلِّ أريحيَّة، الطلاب اليافعون و»الشيَّاب» المتقاعدون، يقرع جرس باب المنزل، ويقف بعيدًا حتَّى يتأكَّدَ من استلامك الطَّلب، ويبتسم لك في تواضُع شديد، فهو لا يستنكف ممارسة سائر الأعمال ما دامتْ شريفة، ويستطيع أن يدرَّ من خلالها دخلًا يساعده على «المعايش» بدلًا من أن يظلَّ جالسًا في المنزل.
زيارتي لصحار هذه المرَّة، كانتْ لها علاقة بالقِطاع الطبِّي، وهناك وجدتُ نماذج عُمانيَّة مُشرِّفة، أطبَّاء على درجة عالية من العِلم والكفاءة والتَّفاني في تقديم الخدمات الطبيَّة اللازمة للمريض، وممرِّضات متفانيات في أداء عملهنَّ وحُسن معاملة المرضى، قامتْ إحداهنَّ بالتَّحدُّث باللَّهجة المصريَّة مع ابنتي الَّتي كانتْ تخضع لعمليَّة ولادة قيصريَّة، حتَّى تهدئ من روعها قَبل خضوعها للعمليَّة الجراحيَّة، في صحار تجد الطَّبيبة والصيدليَّة العُمانيَّة، موجودة في المراكز الصحيَّة والصيدليَّات الخاصَّة، تؤدِّي دَوْرها بكفاءة، ونَفْس الشَّيء في سائر الدَّوائر الحكوميَّة، المُهمُّ عدتُ من صحار سعيدًا باستقبال أوَّل أحفادي، وحفاوة وطِيبة أهلِها.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري