مسقط ـ العُمانية: (إن الكاتب لا يمكنه الهروب من طفولته ومراحل حياته الأولى، مهما حاول التنكر لماضيه أو الابتعاد عن محيط الذَّات)، بهذه العبارة يتحدث الكاتب والروائي محمد الشحري عن تداول أفكار الكتابة وعلاقته بالبدايات معها، وتأثير التنشئة في كتاباته الإبداعية.
في هذا السياق يشير (الشحري) الذي بدأ مشواره مع الكتابة إلى فترة تمتد إلى 30 سنة وصدرت له أعمال أدبية متعددة من بينها الأحقافي الأخير 2020، وموشكا 2015، والطرف المرتحل 2013، وبذور البوار 2010، إلى أن الإنسان إذا توغل في العمر تسِمُه التجارب بوسوم الحلاوة والمرارة، وتترك آثارها اللامرئية في ذاتية الإنسان. وبعد رحلة شاقة في دروب الفشل المتلاحقة، يصل الكاتب إلى قاعدة مفادها بأن كسب ثقة الذات تعني خسارة الآخرين ولا بأس في ذلك إن كان المقابل إنجازًا ثقافيًّا، كما يكمن جوهر كسب الذَّات في استقلال الفرد عن سطوة المؤسسة الجمعية التي تهيمن وتصادر حقهم في التعبير والتساؤل والتفكير.
ويؤكد على أن هذه الحقيقة لا يمكن نيلها بسهولة بل تتطلب التضحية وتقديم قربان في سبيل الحصول على ناموس الكتابة الذي يوجِد الوعي قبل الكتابة وقبل نضوج النصوص، ويعني ذلك محاولة إنقاذ الكتابة من الخواء والتكرار والدوران في حلقة مفرغة، وأن الكاتب لا يمكنه الهروب من طفولته ومراحل حياته الأولى مهما حاول التنكر لماضيه أو الابتعاد عن محيط الذات، هذا الأمر سحبه على ذاته إذ لا ينكر أن ثقافة معاطن الإبل تهيمن على طبع الانتقال والحنين والتخلي عن كل ما يعيق الترحال، لأن عكس ذلك يعني التبلد والاستقرار وكلها حالات تبعث السأم في النفس، وأثناء حياة الترحال والتنقل بين بيئات ظفار المختلفة، يلوذ بمعاطن أو مبارك الإبل يصلحها وينظفها من الأحجار والحشائش، وحين يصبح المعطن جاهزا للإقامة يهجره إلى معطن آخر وهكذا دواليك، فكسب من ذلك التخلي عن التعلق بالأمكنة فلا امتلك الأشياء ولا تملكها، فكل شيء يتخلى عنه وهو بدوره يتخلى عنه.
ويوضح (الشحري) أن الكتابة منحته مهمة القول ومهنة التعبير عن ثقافة مهددة بالانقراض ويقول: رغم الصعوبات والعراقيل التي وقفت في الطريق كان أولها عامل اللغة وثانيها مهمة الاكتشاف والكتابة في حقل أدبي غير مطروق في ظفار وأقصد (الفن الروائي)، فكانت عبارة المهاتما غاندي ملهمتي في بداية المشوار حيث يقول (في البدء يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يحاربونك، وفي الأخير تنتصر)، وأنا أشعر بالانتصار لأني كتبت ما أودّ كتابته وما زلت أكتب، لأن الكتابة عشق لا يخذل صاحبه أبدًا. وفي شأن علاقته بالتصوير الضوئي مرورًا بالكتابة الأدبية، ومدى إسهامه في حياته الخاصة يقول: بدأت مصوّرًا فوتوغرافيًّا أبحث عن أداة معبّرة عن شخصي، فالتصوير والكتابة والرسم كلها محاولات تعبيريّة لانتزاع مكان ومكانة في ساحات الإعلان عن الذات، ولكن حين تعجز الأداة عن حمل المشاعر واستنطاق مكامن البوح نبحث عن وسيلة أخرى. التصوير الفوتوغرافي فن مرئي جميل، لكنه صامت يحبس اللحظات، بينما الكتابة حية تمارس الكلمات فيها سلطة الحركة وتحمل دفقة الأحاسيس، لهذا فإني وجدت الصورة عاجزة عن إعادة الحياة للخيال، أما الكلمة فلديها قدرة الإيجاد والتكوين والانتقال بسهولة بين الأزمنة، الماضي والحاضر والمستقبل، وإعادة توليفة الزمن كلما وجدت الأحداث حاجتها إلى ذلك سبيلًا، أي أن السرد أبلغ من الفن في استنطاق الشخوص والأمكنة والانتقال بيُسر بين الأزمنة وتوليف الممكن وغير الممكن. وأجمل ما في السرد الرواية التي تستوعب كل ما يفعله الإنسان ويتخيّله، بالإضافة إلى مساحة البوح الشاسعة التي تتيح اختلاق الأحداث وتطويرها، فالرواية مثلا تحاول الكشف عن الجزء المجهول من الوجود، مثلما يقول الروائي التشيكي ميلان كونديرا، بينما القصة اقتناص لحظة وتكثيفها، والمقال تعبير آني وعابر في الوقت ذاته. ولأن (الشحري) مسكون بمفردات البيئة ومفاهيمها يشير إلى مشكلة بيئته والميثولوجيا لتصبح هاجسًا شخصيًّا للكتابة في مشاربه الأدبية فيقول: أي إنسان شاركنا اللحظات الأولى في التنشئة سيعبّر عن تلك الحياة الأولى بطريقته الخاصة، وستسكنه مفردات البيئة المغموسة بثقافة الميثولوجيا التي تهيمن عليّ في اللاوعي، فأنا أشعر بأنني منقاد للميثولوجيا وواقع تحت سحر المعتقدات النبيلة، وتمنح كل شيء قدره من التبجيل والإجلال إلى التحقير والإذلال للمكونات الضنينة بالمعاني التي تحفز النفس على الارتقاء بعظمة الروح الإنسانية القادرة على إشاعة الصلاح والحدّ من الأذى، فأنا نشأت تحت وقع ثقافة شفهية تعتمد على القصص والحكايات والأساطير والمعتقدات في نقل المعارف وصقل السلوك الإنساني، وتحقيق توازنات بين الروح والجسد، ولذلك وجدت في البيئة ساحتي الغَنَاء والاكتفاء بما أعرفه عن معارف أخرى مكتسبة أو دخيلة على ثقافتي. ويضيف: كتبتُ الرواية الميثولوجية بالاتكاء على الأساطير القديمة، فظهرت (موشكا) وكانت بذلك أول رواية من ظفار تركز على عمليات إنتاج اللُّبان وأسطورة الشجرة التي رُويت حكايتها بمخيال محب، وتحولت الرواية إلى مسرحية نالت استحسان الجمهور وثقة لجان التحكيم، وتضوعت أسطورة اللبان على المسرح.
صحيح أن الميثولوجيا عالم واسع تشكل من خوف الإنسان من الطبيعة، وكتابة الميثولوجيا أمر صعب في عالم تجرّأ على التطاول على الطبيعة، فانقلبت عليه وعاقبته بآثارها لكن قليلًا من الكُتّاب من يستشعر ذلك، لأنهم يكتبون بلا فكر ولا جرأة، والكتابة بدون هذين العنصرين عبارة عن هذر لا طائل منه، الكتابة العميقة تنبع من أعماق الفكر أيًّا كانت اتجاهاته، وتحلّق بأجنة الجرأة، وعدم الإذعان للسائد. وعن كتابة الرسائل الأدبية وكونها الوحيدة التي تنشر رسالة كل سنة إلى روح الشاعر الراحل علي حاردان، يشير الشحري إلى الإصرار على كتابة رسائل لن تصل إلى صاحبها ويوضح أن كتابة الرسائل الأدبية في سلطنة عُمان قليلة جدا، وأنا لما كتبتُ رسائل إلى الشاعر المرحوم علي حاردان، كُنتُ عازفًا منفردًا لأستوعب صدمة الرحيل. ففي لحظة الموت أنكرت أن الصديق الذي كنت بمعيته قبل أيام من رحيله قد غادر الحياة ولن يعود إليها مرة أخرى، فلجأت إلى الكلمات لعلها تنتشلني من هول الصدمة وتجاوزها، ثم اكتشفت قوة الرسائل وقدرتها على إعادة التوازن إلى الذَّات، خصوصًا وأن الكتابة إلى صديق راحل هي عملية لجوء إلى الحنين الذي لا يتوقف أبدًا. والرسائل الأدبية تختلف عن الرسائل الشخصية المقتصرة على شخصين، لأنها رسائل بوح، نعرف أن الطرف الآخر لن يقرأها ولكن نتخيل أنها ستصل إليه.
ففي الذكرى السنوية لرحيل الصديق علي حاردان أكتب له رسالة تختلف موضوعاتها حسب ظرفية اللحظة ومجريات الأحداث والمناسبات الطارئة، فمنذ 2008 وأنا أكتب رسائل لا تصل إلى وجهتها، ولكني واصلت الكتابة أينما كنت في الوطن أو في الغربة. وأتخيل أن الرسائل ستصل وأتخيل أيضًا ردّة فعل الصديق الذي عرّفني على الكتابة الصحفية وكان مؤمنًا بقلمي، وأسهم في نشر العديد من قصصي ومقالاتي. وفيما يتعلق بالكتابة السردية الخاصة بالأدب العربي وتقاطعها مع الواقع المعاش يصفها الشحري قائلًا: الكتابة السردية في الوطن العربي حسب رأيي لا تزال تراوح مكانها شكلًا ومضمونًا إلا في بعض الحالات النادرة، والسبب في ذلك يعود إلى أن الكتابة تراوح مكانها بسبب الرقابة وهي تمارس هيمنتها على الكاتب، فتزرع فيه الخوف وتفرض عليه أقصى درجات الرقابة الذاتية، قبل وصول النص إلى عتبة الرقيب بتوجهاته المختلفة، فماذا ننتظر من كتابة لا تُعبّر عن واقع مؤلم ولا تناقش أفكارًا ومعتقدات كبّلت الإنسان وأرهقته ماديًّا ومعنويًّا. لذا أقول إن الكتابة غير الجريئة ستلد كتابة مشوّهة لواقع يحتاج قبل كل شيء إلى الاعتراف بمرارته، ولا يمكن لأي أداة إظهاره إلا بالكتابة التي تزعج الرقيب الذي يخشى الرأي والتصريح به قولًا وتدوينًا. وجزء كبير مما تعانيه المجتمعات العربية هو الخشية من قول الحقيقة والنقد.