الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : أفكار سياحية

نبض المجتمع : أفكار سياحية
الأحد - 24 نوفمبر 2024 04:12 م

د. خصيب بن عبدالله القريني

40


لقَدْ كانتْ زيارتنا لقلعة الميراني في الأسبوع الماضي فرصةً جميلة للاطِّلاع على مُكوِّنات هذه القلعةِ والدَّوْر التَّاريخي الَّذي قامتْ بِه على مَرِّ العصور والأحداث الَّتي عاصرَتْها منذُ فترةِ ما قَبل قدومِ الاجتياح البرتغالي للخليج العربي وحتَّى العصرِ الحالي، وذلك بتحويلِها لمزارٍ سياحي شأنه شأن عددٍ من القلاع والحصون العُمانيَّة، في دَوْرٍ يُحسب للجهاتِ المسؤولة في تعميق وإبراز الدَّوْر التَّاريخي للقلاعِ العُمانيَّة وربطِها بالمجال السِّياحي. ورُبَّما تتقاطع هذه الفكرة مع تفعيل دَوْر هذا الإرث التَّاريخي المُتشابِه مع القلاعِ الأوروبيَّةِ والَّتي نحَتْ إلى هذا التَّوَجُّه منذُ فترةٍ طويلة بحيث لا تظلُّ هذه القلاعُ حبيسةَ تاريخِها وبعيدةً كُلَّ البُعدِ عن أعْيُن الباحثين والجمهور بشكلٍ عامٍّ. وفي اعتقادي أنَّ التَّجربةَ الأوروبيَّة نجحتْ بامتيازٍ في جذب الزوَّار والسيَّاح لهذه المعالِم الأثريَّة، حيث يستشعرُ الزَّائر عبَقَ التَّاريخ ويتخيَّل الأحداث الَّتي قرأَها عن دَوْر هذه القلعة، وبالتَّالي تُعَدُّ مدخلًا جيِّدًا لربطِ حياةِ النَّاس بماضيها، والتَّعرُّف أكثر على التَّاريخ واستدراك معانيه، أكثر من مجرَّد قراءته في الكتُب، فمعلومٌ أنَّ الشَّواهدَ الأثريَّة أكثر قدرةً على جذبِ الأشخاص لقراءة التَّاريخ وتمحيصِ أحداثِه.

إنَّ عمليَّةَ استغلالِ القلاعِ والحصون في دعمِ الجوانبِ التَّاريخيَّة والسِّياحيَّة لسلطنةِ عُمانَ هو ـ بلا شكٍّ ـ جانبٌ مُهمٌّ ورئيسٌ في خدمة أهداف رؤية «عُمان 2040»، وما شاهدتُه من تطويرٍ لهذه القلعةِ هو بدايةُ الغيثِ لجوانبَ إضافيَّةٍ أجملَ وأفضلَ، ولعلَّ مِنْها استغلال الغُرف الفارغة حاليًّا في جوانبِ القلعةِ لإقامةِ متحفٍ دائمٍ يَحكي تاريخَ القلعةِ والمدينةِ أيضًا. ولعلَّ وجودَ روزنامةٍ مستمرَّة لفعاليَّات ثقافيَّة وفنيَّة وترفيهيَّة وحلقاتٍ تدريبيَّة في هذا المجالِ على مدار العام هو رهانٌ آخر يَجِبُ استغلالُه أيضًا لمزيدٍ من تفعيل الدَّوْر السِّياحي والحضاري لهذه القلعة.

وبِما أنَّنا ما زِلْنا في نَفْسِ المكانِ القريب من قلعة الميراني حيثُ العديدُ من المعالِم الأثريَّة المختلفة من متاحفَ وبوَّاباتٍ وأسواقٍ وقلاعٍ أيضًا، وبِما أنَّنا نستفيدُ من تجاربِ الآخرين، فالواقعُ يفرضُ عَلَيْنا أيضًا أن نركِّزَ على عمليَّة دمجِ جميعِ المعالمِ التَّاريخيَّة والثقافيَّة المجاورة لهذه القلعةِ في (بكج) واحدٍ أو مجموعةٍ واحدة كحالِ العديدِ من المُدُن والَّتي تعمل على ما يُسمَّى بـ(التَّوليفة السِّياحيَّة) والَّتي تتمثلُ في سياحةِ اليومِ الواحد، وخصوصًا لتلك الفئةِ الَّتي لا يكُونُ لدَيْها متَّسعٌ من الوقتِ لزيارةِ أماكنَ قد تبدو متباعدةً، وهذا ما تلاحظُه في كثير من المُدُن وخصوصًا الأوروبيَّة مِنْها. وعلى سبيل المثال، مدينة براغ التشيكيَّة والَّتي يُمكِنك زيارةُ أبرزِ معالمِها في يومٍ واحد، بل ومشيًا على الأقدام في حالةِ لطافةِ الجوِّ أو استخدام بدائلَ مختلفةٍ كالترام أو المترو أو العربات الَّتي تجرُّها الأحصنةُ أو السيَّارات الكلاسيكيَّة أو حتَّى الحافلات السِّياحيَّة المعروفة، وبالتَّالي لا يشعرُ السَّائح هُنَا بتَعبٍ في زيارةِ أماكنَ كثيرةٍ نظرًا لقربِها وتوافرِ وسائلِ النَّقلِ فيما بَيْنَها. هذا المشهدُ يوجدُ لدَيْنا في مطرح ومسقط بدءًا من متحفِ بيت البرندة على المدرسةِ السَّعيديَّة مرورًا بسُوق مطرح ومتحفِ الزمانِ والمكانِ وقلعةِ مطرح وحديقةِ ريام وما يجاورُ هذه المنطقةَ من ساحلٍ جميل، وبعد ذلك بوَّابةُ مسقط ومتحفها ثمَّ المتاحف المختلفة مِثل المتحف الوطني وبيت الزبير والمتحف العُماني الفرنسي وقَصْر العَلَم وقلعة الجلالي وقلعة الميراني وسُور المثاعيب ومسجد الخور، وغيرها من المناطق الَّتي قد أكُونُ نسيتُها، فقط نحتاجُ لحافلةٍ سياحيَّة، أو ترام، أو تلك الوسائل الَّتي ذكَرتُها في استغلالِ مدينة براغ لهذا التَّوَجُّه، خصوصًا أنَّ عمليَّةَ المشي هُنَا ستكُونُ متعبةً نظرًا لطولِ المسافة النِّسبي وارتفاع حرارة الجوِّ بصورةٍ مستمرَّة، بحيث تكُونُ هذه المعالِمُ في تذكرةٍ واحدة ليومٍ واحد، ويستطيعُ السَّائحُ زيارةَ كُلِّ المعالم في ذلك اليوم، وما عَلَيْه سوى النزولِ في أيِّ مَعْلَمٍ من هذه المعالِم وقضاءِ الوقت الَّذي يناسبُه ثمَّ ينتظرُ الرحلةَ التَّالية لذلك الترام أو الحافلة وهكذا.

إنَّ الاستفادةَ من التجاربِ السِّياحيَّة المُشابهة لمنظومتِنا السِّياحيَّة خيارٌ جيِّد لتفعيلِ الحراك السِّياحي وتطوير العوائد الماليَّة السِّياحيَّة، والَّتي ـ بلا شَكٍّ ـ سوف تُسهم في رفعِ مساهمةِ القِطاع السِّياحي في رفدِ ميزانيَّة الدَّولة بأموالٍ وفيرة مع رفعِ تصنيفِ السَّلطنةِ سياحيًّا، خصوصًا أنَّ الفِكرَ السِّياحي حاليًّا يُركِّز على توفير الخدمات للسَّائح وتسهيلِ زيارتِه.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]