الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

وسائل التواصل الاجتماعي تطفئ لهيب الغربة

وسائل التواصل الاجتماعي تطفئ لهيب الغربة
الأحد - 24 نوفمبر 2024 04:10 م

نجوى عبداللطيف جناحي

20


نعيشُ في هذا العصرِ تطوُّرًا سريعًا في مجالِ تكنولوجيا الإعلام والاتِّصال، حيثُ شاعَ استخدامُ وسائلِ التكنولوجيا في جميعِ المجالات، ومِنْها وسائلُ الإعلامِ والاتِّصال، وهي وسائلُ تكنولوجيَّة تعتمدُ على الإنترنت وقد وظِّفَتْ في مختلفِ وسائلِ الإعلامِ لِتَقديمِ شكلٍ جديدٍ من أشكالِ الإعلام. فالحياةُ البَشَريَّة تقومُ بِرُمَّتِها على الاتِّصال، أي على العلاقات الإنسانيَّة وكان لا بُدَّ من مختلفِ وسائلِ التَّعبيرِ والاتِّصال الإنساني أن يرتقيَ بأدواتِها وينهضَ بمفرداتِها لِتُواكبَ معطياتِ المرحلةِ المعاصرة ويُحقِّقَ ما يتطلَّبُه المشهدُ العالَمي بمعطياتِه ومتطلَّباتِه ومتغيِّراته المُتسارعة ومفاهيمِه الحديثة من احتياجاتٍ ومتطلبات باتَتْ بمثابةِ معاييرَ حضاريَّةٍ يعتمدُ عَلَيْها بصورةٍ أساسيَّة في تصنيفِ المُجتمعاتِ البَشَريَّة ومَدى مواءمةِ هذه المُجتمعات للحياةِ المعاصرة.

ويعيشُ الإنسانُ بطبيعتِه وسطَ مُجتمعاتٍ وعلى أرضٍ مُحدَّدة وهي أرضُ وطنِه وبلده، «ويرتبطُ الإنسانُ بوطنِه حيثُ الاستقرارُ والأمن، فإذا هاجرَ أو انتقلَ لموطنٍ آخرَ فقَدَ الإنسانُ جزءًا كبيرًا من أمْنِه واستقراره، إذ يواجهُ ضغوطًا نَفْسيَّة ومِهنيَّة يوميًّا دومًا تؤثِّرُ عَلَيْه تأثيرًا واضحًا إن لم يتمكَّنْ من التَّكيُّفِ مع وضعِه الجديد.

وتوظَّفُ وسائلُ التَّواصُلِ الاجتماعي لِتَسهيلِ التَّواصُلِ بَيْنَ كُلِّ فئاتِ المُجتمع، وأطيافِه المغترِبِينَ. فالواقعُ أنَّه لا تخلو دَولةٌ من الدّوَل من وجودِ مغترِبِينَ يعيشونَ على أرضِها في صوَرٍ وأنماطٍ مختلفة، سواء كانوا على شكلِ جاليَّات أو وافدِينَ وهُمْ مواطنون من دوَلٍ أخرى قَدِموا للعيشِ لفترةٍ مُحدَّدة على أرضِ البلدِ ما يهدفُ الحصولَ على فرصٍ للعمل ولكسبِ الرِّزق، أو كانوا مهاجرِين وهُمُ الَّذين تَركوا بلدَهم الأُمَّ لأيِّ ظرفٍ من الظُّروف لِيَعيشوا ويستقرُّوا في بلدٍ أخرى. فهؤلاء المُغترِبون هُمْ بحاجةٍ لبناءِ مجموعاتٍ اجتماعيَّة مترابطةٍ عن طريقِ وسائلِ التَّواصُل الاجتماعي.

ويُمكِن أن يتجسَّدَ الأمْرُ فعليًّا من خلالِ تكنولوجيا الاتِّصال الجديدة الَّتي تساعدُ أوَّلًا على معالجةِ القضايا المُتعلِّقة المغترِبِينَ والَّذي يُعَدُّ أمرًا صعبًا بما كان ثمَّ الحفاظِ على الرَّوابط الشَّخصيَّة والمُجتمعيَّة والثَّقافيَّة، والتَّواصُل مع شؤونِ البُلدانِ الأصليَّة بطُرقٍ لم تكُنْ متصوَّرةً في السَّابقِ أيضًا في محاولةٍ لضبطِ الهُوِيَّةِ الثَّقافيَّة والتَّغيُّرِ الاجتماعي على مستوياتٍ عديدةٍ وطنيَّة ومحليَّة. فالانتشارُ الواسع لوسائلِ الإعلامِ والاتِّصال في مُجتمع المُغترِبِينَ يعملُ من أجْلِ تمثيلِها ثقافيًّا وسياسيًّا ويُعبِّرُ عن انتمائِهم لوطنِهم الأُمِّ. ومن جهةٍ أخرى فالحديثُ عن تحريرِ وسائلِ الإعلامِ الجديدة للمغترِبِينَ أصبحتْ واسعةَ الانتشارِ، فمِن خلال التكنولوجيا يُمكِن أن تتغيَّرَ الحياةُ الثَّقافيَّة والسِّياسيَّة لأعضاء للمغترِبِينَ فيتأثرونَ بثقافةِ البلدِ الَّتي يعيشونَ فيها فيكتسبونَ من لُغتِهم وعاداتهم وتقاليدِهم ورُبَّما دِينهم، هذا التَّأثُّر له عواقب غير مضمونةٍ على الهُوِيَّة الثَّقافيَّة للمغترِبِينَ هُمْ وأبناؤهم.

ويُشكِّل المغترِبون تجمُّعاتٍ بحسبِ انتمائهم للبلدِ الأُمِّ، وهُمْ ما يُسمّون بأبناء الجالية، فيتمُّ تجمُّعُ أفرادِ الجالية في مناسباتِهم الاجتماعيَّة والوطنيَّة كالأعيادِ الدِّينيَّة والأعياد الوطنيَّة، كما يتمُّ التَّجمُّعُ لطرحِ قضاياهم الاجتماعيَّة من زواجٍ وطلاقٍ وتعايُش، كما تُقدِّمُ هذه التَّجمُّعاتُ دعمًا للأعضاءِ الجُدد لمساعدتِهم على الاندماجِ في بلدِ الغُربة، ويُقيمون الأنشطةَ الاجتماعيَّة المختلفةَ من احتفالاتٍ ومحاضرات وغيرها. ومع تطوُّر وسائلِ الاتِّصالِ والإعلام، وظَّفَ المغترِبون تكنولوجيا الاتِّصال والإعلام لِتَسهيلِ التَّواصُلِ بَيْنَ أبناءِ الجاليةِ الواحدة مع بعضهم البعض ومع وطنِهم الأُمِ؛ للحفاظِ على هُوِيَّتِهم وانتمائهم للوطنِ الأُمِّ، فَهُمْ يستعينون بها لتعليمِ أبنائهم ثقافةَ بلدِهم الأُمِّ من لُغةٍ ودِين وأخلاقيَّاتٍ وعاداتٍ وتقاليد، كما يستعينون بوسائلِ التَّواصُلِ الاجتماعي لِمُتابعةِ المُستجدَّات وآخرِ الأحداثِ في وطنِهم. وتُعَدُّ وسائلُ التَّواصُلِ الاجتماعي وسيلةً مهمَّة لِتَواصُلِ المغترِبِينَ مع ذويهم في بلدِهم الأُمِّ، كما أنَّها وسيلةٌ لِتَعريفِ أبنائِهم بأهْلِهم وذويهِم، وتعزيز العلاقات الاجتماعيَّة بَيْنَهم وبَيْنَ أهلِهم، ومشاركتِهم لَهُمْ في المناسباتِ الاجتماعيَّة فتتعزَّز العلاقاتُ بَيْنَهم، حيث يسعَى الغرباءُ للاعتمادِ على وسائلِ التَّواصُلِ الاجتماعي للحفاظِ على هُوِيَّتِهم الوطنيَّة وتعزيزِها لدَى أبنائِهم جيلًا بعد جيل. كُلُّ هذا كَيْ يتجنَّبوا سيناريوهًا مؤلِمًا كثيرًا ما عانَى مِنْه المغترِبون، وهو أن يكُونُوا غرباء في البلد الَّذي يعيشون فيه، وأن يكُونُوا غرباء على أوطانِهم عِندما يعودون لها، فيتجرعوا كأسَ الغُربة مرَّتَيْنِ. ويُمكِننا القولُ إنَّ وسائلَ التَّواصُلِ الاجتماعي قد أطفأتْ لهيبَ الغُربةِ وما فيها من آهاتٍ ومشاكلَ، حتَّى كادَ المغترِبون لا يعرفون معنى الغُربة. فوسائلُ التَّواصُلِ الاجتماعي باتَتْ نعمُه من نِعم الله على عباده وفي الوقت نَفْسِه هي نقمةٌ على العباد إن لم يُحسنوا استخدامها... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

[email protected]

Najwa.janahi@