أصدرَ معهد «سياسة الشَّعب اليهودي» تقريره السَّنوي (مع تحفُّظنا على عبارة الشَّعب اليهودي؛ لأنَّ اليهوديَّة دِين وليسَتْ شَعبًا). وفيه تحليل أساسي، وسياسي، وأمني عسكري، واقتصادي من وجهة نظَر بعض «الإسرائيليِّين الصَّهاينة» من واضعي التَّقرير من المُقيمِين في الولايات المُتَّحدة. التَّقرير يدرس مدَى التَّأثير الإيجابي أو السّلبي للأحداث والتَّطوُّرات خلال عام على «إسرائيل» واليهود في العالَم. وهو مادَّة أكثر من سياسيَّة دراسيَّة يتوقع أن تكُونَ حاضرةً على طاولة صنَّاع القرار في كيان الاحتلال، ووسيلةً لهما لتقدير الموقف من كُلِّ النَّواحي وبالتَّالي اتِّخاذ القرارات. يَعدُّ التَّقرير أنَّ عمليَّة السَّابع من تشرين الأوَّل/أكتوبر 2023، موضوعًا محوريًّا للوضع الجيوسياسي لـ»إسرائيل» في ظلِّ تداعياته الَّتي تتالَتْ خلال عامٍ ونيف من الحرب المستمرَّة. وهو ما يؤثِّر بالنِّسبة لـ»إسرائيل» على: الأمن، والاقتصاد، والتَّماسُك الاجتماعي، والمكانة الدوليَّة، وقوَّة العلاقة الاستراتيجيَّة الثلاثيَّة بَيْنَ القدس وواشنطن واليهود الأميركيِّين. ويُقدِّر التَّقرير وواضعوه، أنَّ واشنطن تُريد دمج حلِّ «أزمة قِطاع غزَّة» في اتِّفاق إقليمي يشمل التَّطبيع «الإسرائيلي» مع عددٍ من البُلدان العربيَّة المهِمَّة وهي العمليَّة الَّتي تتوافَق مع المصالح الأميركيَّة والَّتي من بَيْنِها بناء إنشاء ممرٍّ تجاري لربطِ الهند بالشَّرق الأوسط وأوروبا ويشمل «إسرائيل» أيضًا (طريق حرير آخر يُناكف ويتحدَّى الصِّين الشَّعبيَّة). ويتطرق التَّقرير، ويُبدي خشيةً وهلعًا من الوضع الأمني في الضفَّة الغربيَّة باعتباره وضعًا هشًّا، حيث يتَّسع كُلَّ يوم ما يُطلِق عَلَيْه التَّقرير مُسمَّى «الخروقات». ونحن نقول هُنَا وبوضوح بأنَّ ما يجري من توتيرٍ للأوضاع وإيصالها إلى حدود الانفجار المتوقَّع هي ممارسات الاحتلال وعصابات المستوطنين، الَّذين يقومون بالتَّنكيل بالقُرى والبلدات الفلسطينيَّة ومهاجمته واقتلاع أشجار الزَّيتون وحتَّى هدم المنازل والدّور. فهناك خشية عِند واضعي التَّقرير إيَّاه، من احتمال انزلاق الأوضاع إلى انتفاضة فلسطينيَّة جديدة، تَقلب الطَّاولة رأسًا على عقبٍ وتُعيد خلْطَ الأوراق كُليًّا. وهو ما يرفع عِندها من مستويات العُنف. وكان قد حذَّر مدير الشَّاباك (الأمن الدَّاخلي) في رسالةٍ لنتنياهو ووزراء حكومته من أنَّ «سلوك المستوطنين ينمو ويتغيَّر شكْلُه من نشاط سِرِّي مُركَّز إلى نشاط واسع ومفتوح، وشبيه من استخدام (ولاعة) إلى استخدام أسلحة الحرب الَّتي تمَّ توزيعها من قِبل وزير ما يُسمَّى بالأمن القومي المُتطرِّف الفاشي إيتمار بن جفير». ولم يغبِ الموضوع على الجبهة الشماليَّة المُشتعلة عن مضمون التَّقرير المذكور، كذلك الحال الموضوع الإيراني حيث تملؤ دَولة الاحتلال الصّراخ مِنْه، حين تَعتَبر إيران جزءًا أساسيًّا وعضويًّا من المُشْكلة والتوتُّر والحرب. وفي الجانب المُتعلِّق بالجبهة الشماليَّة، والَّتي باتَتْ تستنزف جيش الاحتلال، فقدِ استطاعتِ المقاوَمة اللبنانيَّة تحقيق تطوُّرات مهمَّة في مسار الصِّراع مع الاحتلال وهو ما يلحظه واضعو التَّقرير، بالرَّغم من اغتيال وتصفية عددٍ مهمٍّ من قيادات المقاوَمة، فاستطاعتِ المقاوَمة حتَّى الآن من تغطية كُلِّ مناطق الجليل وصولًا لوسطِ فلسطين بمقذوفاتها الصاروخيَّة، وتتبع طريقة الاستخدام المُتتالي لصواريخ متعدِّدة المدَيات والأعيرة وفق «التَّطوير المتدرِّج» للحرب. وقدِ استطاعتِ المقاوَمة اللبنانيَّة دفعَ عشرات آلاف المستوطنين للتوَجُّه نَحْوَ «تل أبيب» وإخلاء مستوطنات الشَّمال.
علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك