تُمثِّل العلاقة ما بَيْنَ المدرسة والمُجتمع المحلِّي بكُلِّ أطيافه النّموذج المثالي الَّذي من خلاله يُمكِن تحقيق الأهداف التَّربويَّة والتَّعليميَّة بصورة واقعيَّة، بحيث تُترجم الدَّوْر الحقيقي الَّذي يَجِبُ أن تؤدِّيَه المدرسة. فأهداف المدرسة لا يُمكِن تحقيقها في الإطار المغلق لأسوارها، بل يكمن ذلك التَّحقُّق في قدرتها على التَّواصُل مع محيطها المُجتمعي، لأنَّها في الأساس تخدم ذلك المُجتمع وبالتَّالي لا بُدَّ من إشراكه في كُلِّ المواضيع الَّتي تهمُّه، فلا يُمكِن عزْلُه بحججٍ واهية تحدُّ من مشاركته وتفاعله في مناشط المدرسة.
حيث الوعي الفكري والثَّقافي المُجتمعي قد تطوَّر ونمَى بصورةٍ كبيرة، وأصبح المُجتمع المحلِّي قادرًا على التَّفاعل والمشاركة بفاعليَّة لتحقيقِ أهداف المدرسة، وما النَّظرة الضيِّقة الَّتي كانتْ سائدةً حَوْلَ مجالس أولياء أمور الطَّلبة إلَّا تاريخ انتهى وماضٍ ولَّى وحلَّ محلَّه نظرة أكثر شموليَّة وأكثر عُمقًا من مجرَّد تحصيل مبالغ لدعمِ أنشطة المدرسة، فهنالك أدوار أكبر وأسمَى من ذلك، وبالتَّالي تكُونُ الشَّراكة بَيْنَ المدرسة والمُجتمع المحلِّي شراكة متبادلة، قائمة على العطاء لتحقيقِ أهداف المدرسة الَّتي هي في النِّهاية أهداف التَّربية والمُجتمع بصورةٍ عامَّة.
لقد أُتيحت لي الفرصة لحضور ملتقى لعرضِ تجارب مجالس أولياء الأمور في مدرسة الإخلاص للتَّعليم الأساسي بولاية صحم بدعوةٍ كريمة من مديرة المدرسة، شاهدتُ من خلالها عرض مجموعة من تجارب المدارس، تجارب متميِّزة في عطائها وفي فكرتها أيضًا، تجارب تؤكِّد التَّوَجُّه الحديث والواقعي كما أشرتُ في بداية المقال حَوْلَ أهميَّة أدوار هذه المجالس، إحدى المبادرات الَّتي شدَّتني كانت تتمثل في المبادرة الَّتي قدَّمتها مدرسة الإخلاص والمتمثلة في إعداد حلقات لتعليم الخياطة للأُسر الَّتي سُرِّح معيلها، وبالتَّالي تمَّ توفير الأدوات اللازمة للمشروع وتدريب الرَّاغبات في ذلك ومتابعة نتائج المشروع، وبالتَّالي لم تحصر المدرسة من خلال هذه المبادرة نَفْسها في زاوية ضيِّقة بحكمِ أنَّ أبناء هذه الأُسر هُمْ طلبة في المدرسة وبحاجةٍ للدَّعم، فلم تتوقَّفْ عِند جانب إعطاء السَّمكة كما هو المَثل الصِّيني، بل تجاوزته لتعليم الصيَّاد كيف يحصل على هذه السَّمكة، وهُنَا نقف برهةً لنتأمَّلَ الفكرَ المُتقدِّم الَّذي يَجِبُ أن تؤدِّيَه المدرسة في كيفيَّة الاستفادة من المُجتمع المحلِّي وخدمته وتقديم أفكار مُتجدِّدة وبنَّاءة لخدمة أهدافها، والتَّحرُّر من الفكر التَّقليدي العقيم الَّذي ينتظرُ الحلول من الجهات الرَّسميَّة فقط.
وكما هي متميِّزة تجربة هذه المدرسة فقد كانتِ التَّجارب الأخرى أيضًا تَنْحُو نَفْس هذا الفِكر في توَجُّه يُحسب لإدارات المدارس المشاركة في توظيف مهارات وخبرات وإمكانات أولياء الأمور في دعم أهداف المدرسة، فهنالك من أولياء الأُمور المدرِّب القدير الَّذي يُمكِن أن يقدِّمَ دَوْرات تخصصيَّة، سواء للطَّلبة أو المُعلِّمين، وهنالك روَّاد أعمال يُمكِن أن يستفادَ مِنْهم لتعليم أبنائنا الطَّلبة مهارات التَّمكُّن من هذا المجال، وكيف يُمكِن تهيئتهم منذُ نعومة أظفارهم للانخراط في مجال ريادة الأعمال، والأمثلة كثيرة ومُتعدِّدة. وفي اعتقادي أنَّ وجود قاعدة بيانات في كُلِّ مدرسة لأولياء أمور الطَّلبة، وماذا يمتلكون من مهارات وإمكانات يُمكِن توظيفها لخدمة أهداف المدرسة، كفيل في المقام الأوَّل في وضعِ أيدينا على الخطوة الأولى لتفعيلِ هذه المجالس.
إنَّ تحقيق مجالس أولياء الأمور لأهدافها المنوطة مِنْها هو في الواقع رهين أمْرَيْنِ، الأمْرُ الأوَّل: مُجتمع متفاعل يُدرك أفراده أهميَّة مشاركتهم لتحقيقِ أهداف المدرسة الَّتي هي في النِّهاية تصبُّ لمصلحةِ أبنائهم ومصلحة المُجتمع المحلِّي، وبالتَّالي لا يتورَّعون من المشاركة وتقديم خبراتهم للمدرسة. والأمْرُ الآخر: مدرسة تعرف كيف تجذب أولياء أمور الطَّلبة وتستفيد من إمكاناتهم بحيث تُشعرهم بأنَّهم جزء لا يتجزأ من المنظومة التربويَّة بعيدًا عن الأفكار السَّائدة لِدَوْر مجالس أولياء الأمور الَّتي ـ بلا شك ـ ستنتهي بمجرَّد تطوير للفكر الحديث في عمل مجالس أولياء أمور الطَّلبة.
د. خصيب بن عبدالله القريني