أضحى بعض الأفراد وهو ينظر إلى قطار العمر قد مرَّ سريعًا مع تَقدُّمه بالسِّن، يتطلع وبعُمقٍ أكبر وفَهْمٍ أجلَّ إلى هذا العصر الَّذي لم يَعُدْ لدَيْه الكثير من الصِّراعات الَّتي واجهها في حياته، بل هنالك الكثير من السَّلام، خصوصًا مع سرعة الحياة، قد أقول ـ أحيانًا ـ إنَّه لا أحَد يخبرنا بشكلٍ حقيقي كيف من المفترض أن نتقدمَ في السِّن، وما مدَى التَّفاعل ضدَّه، وما مدَى قَبوله لِنصنعَ ذلك التَّوازن الصَّحيح ونحن بَشَر. وهكذا ـ سبحان الله ـ تمضي الأعوام فلا أحَد يخبر ذلك الفرد كيف من المفترض أن يشعرَ عِندما يُصبح الجسم أكثر ليونةً ويُصبح الشَّعر أبيضَ، وكيف من المفترض أن نأخذَ في الاعتبار تجعُّد الجلد أو التَّجاعيد على الوَجْه الَّتي تجعلُ غالبًا ابتساماته تبدو مؤسفةً!
مع ذلك، أجزم هُنَا أنَّه ومع نهاية المطاف، هناك جَمال في الشَّيخوخة. كيف لا؟ والشَّيخوخة تتعلق بما هو أكثر من مجرَّد الشَّكل والمَظهر الَّذي نشعُر به في أجسادنا. رُبَّما يتعلَّق الأمْرُ أيضًا بكيفيَّة تقدُّم العالَم من حَوْلِنا للأمام وسحبنا معه للأمام أيضًا. وهُنَا دائمًا ما أقولُ ـ وبشكلٍ إيجابي ـ إنَّ علامات الزَّمن هذه ليسَتْ عيوبًا ولكنَّها شارات شرف تعكس حياةً كاملة. وبدلًا من أن يكُونَ شيئًا يجِبُ إخفاؤه أو مَحْوُه، فإنَّها ترمز إلى المُرونة والمرور عَبْرَ مراحل الحياة الَّتي لا تُعَد ولا تُحصَى.
ومن هُنَا سنرَى أنَّ الحكمة أعظم هديَّة للتَّقدُّم بالسِّن. فتراكم التَّجارب المُبهجة، مِنْها والصَّعبة على حدٍّ سواء، تُعطي القدرة على رؤية الحياة من منظور أكثر توازنًا. أوَلَا نلاحظ أنَّ هناك عُمقًا للمحادثات والاتِّصالات والتَّأملات الَّتي لا يُمكِن تحقيقها إلَّا عَبْرَ الزَّمن وأنتَ تُحدِّث ذلك المُسنَّ أو الأكبر مِنْك عمرًا؟! بل هُنَا، ولعلِّي أخاطب تلك النُّفوس العظيمة، وأصحابها قد دخلوا تلك المرحلة من حياتهم والآن، ابحث عن تلك الأبواب لبداياتٍ جديدة، خصوصًا عِندما تكُونُ المراحل الأخيرة من الحياة مصحوبة بإدراك أنَّ الوقت محدود، ممَّا يدفع النَّاس إلى التقرُّب أكثر إلى ربِّهم وخالِقهم، وما يتبعه من تركيز على ما يجلبُ السَّعادة والوفاء حقًّا، سواء كان الأمْرُ يتعلق بتعميقِ الرَّوابط مع الأحبَّة، أو السَّعي وراء المشاعر الَّتي أهملت منذُ فترة طويلة، أو مجرَّد الاستمتاع بجَمال اللَّحظة الحاليَّة.
بلا شك وهذا حال التَّقدُّم بالسِّن، فهو يدعو إلى إعادة تقييم الأولويَّات، بل والاعتزاز بالوقت والاستفادة القصوى من كُلِّ يوم.
وهكذا مع تَقدُّمنا في العمر، يتغيَّر تعريف الجَمال، كما ذكرنا. لم يَعُدِ الجَمال يكمن في الكمال الجسدي فقط، بل في الأصالة والثِّقة والشَّخصيَّة. إنَّها العيون الَّتي شهدت تجارب العمر، والأيدي الَّتي حمَلت عددًا لا يًحصى من الأحبَّة، والابتسامة الَّتي نجَتْ من الفرح والمشقَّة. هُناك نَوْع مختلف من الجاذبيَّة الَّتي تأتي مع الشَّيخوخة، نَوْع لا يعتمد على المثل السطحيَّة ـ إن استطعت القول ـ ولكن على ثراء الحياة الَّتي تُعاش بشكلٍ جيِّد.
وبالتَّالي أرَى أنَّه يجِبُ عَلَيْنا إعادة تعريف الجَمال، ليس باعتباره صفةً عابرة مرتبطة بالشَّباب، بل باعتباره صفةً متطوِّرة تتعمق مع مرور الوقت. والصِّدق يُقال، فجَمال الشَّيخوخة ليس في مقاومتها، بل في احتضانها، حيث يوجد في قَبول تغيُّرات الحياة وفي الاحتفال بكُلِّ مرحلة... أوَلَيْسَ كذلك؟ وهذا ـ بلا شك ـ هو تطوُّر مفهوم الجَمال مع تَقدُّمنا في السِّن. فجَمال امرأة ـ على سبيل المثال ـ تبلغ من العمر سبعين عامًا ليس مِثل جَمال امرأة تبلغ من العمر عشرين عامًا، ولا ينبغي أن يكُونَ كذلك. لكنَّ الأوَّلَ يحمل كرامة الحياة الطيِّبة، ومعرفة العالَم، والنِّعمة الَّتي تأتي من الخبرة. هذا هو الجَمال الَّذي لا يُمكِن تصنيعه أو شراؤه، ولكنَّه مكتسب!
ختامًا، وفي عالَم أضحى يُمجِّد الشَّباب في كثيرٍ من الأحيان، من المُهمِّ أن ندركَ الجَمال العميقَ للتَّقدُّم بالسِّن. فالتَّقدُّم بالسِّن ليس عمليَّة تناقص، إنَّها فكرة غنيَّة. إنَّها رحلة قَبول الذَّات، والنُّمو، والحكمة، والاتِّصالات الأعمق. مع مرور كُلِّ عام، نكسب أكثر ممَّا نخسر، إذا اخترنا أن نرَى الأمْرَ بهذه الطَّريقة فقط! إنَّ الجَمال الحقيقي للتَّقدُّم بالسِّن أو الشَّيخوخة (كما نُسمِّيها) تكمن في تقبُّل التَّغييرات الجسديَّة والعاطفيَّة، الَّتي تأتي مع مرور الوقت. إنَّها تكمن في القدرة على النَّظر إلى الوراء بفخر، والعيش في الحاضر بامتنان، والتَّطلُّع إلى الأمام بأملٍ. لذلك الأجدى تكريم جَمال الشَّيخوخة باعتبارها الجزء الطَّبيعي والأساسي من التَّجربة الإنسانيَّة الفريدة.
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي