يحتفل العالَم في الخامس من أكتوبر من كُلِّ عامٍ بيوم المُعلِّم، فتُقام احتفالات التَّكريم للمُعلِّمين، وتُقدَّم لَهُم الهدايا وبطاقات التَّهنئة، وتنتشر في وسائل التَّواصُل الاجتماعي عبارات التَّهنئة والتَّقدير للمُعلِّمين، وتعمُّ أجواء السَّعادة والفرح في أوساط المدارس. وفي هذه المناسبة يُحفَّز الطلاب وأولياء الأمور على تقدير المُعلِّمين والإداريِّين في المدرسة، بل وكُلُّ مَن يعمل بالمدرسة، فيُعزِّز لدَى الطَّلبة وأولياء أمورهم الشُّعور بالتَّقدير والفضل والامتنان للمُعلِّم.
ودعونا نسأل: مَن هو المُعلِّم؟ هل هو المُعلِّم الَّذي يقفُ في الصَّف ليدرسَّ الطلاب؟ أم يشمل هذا المصطلح باقي فريق العمل بالمدرسة والحقل التَّربوي: من مدير مدرسة، ومساعِدِين، ومنسِّقين ومُشرِفِين وغيرهم؟ مَن هو المُعلِّم؟ هل هو المُعلِّم الَّذي يقفُ أمام الطلاب في الفصل بالمدرسة ويحمل المُسمَّى الوظيفي (مُعلِّم) أو يشمل هذا التَّعريف المُعلِّم الَّذي يُدرِّس في المساجد ومراكز تحفيظ القرآن، هؤلاء المُعلِّمون المُتطوِّعون الَّذين يُعلِّمون الأطفال والشَّباب وحتَّى الشيوخ علوم الدِّين بأنواعها طلبًا للأجرِ والثَّواب وبِدُونِ مقابل؟ مَن هو المُعلِّم؟ هل هو المُعلِّم الَّذي يحمل مُسمًّى وظيفيًّا بأنَّه مُعلِّم ويتسلَّم الرَّاتب مقابل تدريسه؟ أم يشمل هذا المصطلح المُعلِّمة الأولى لكُلِّ طفل ألَا وهي الأُمُّ الَّتي تُعلِّم ابنَها الكلمة الأولى الَّتي ينطقها لِتكُونَ تلك الكلمة بدايةً لطريقٍ طويلٍ من التَّعلُّم، فتواصلَ معه هذا المشوار، هي مَن تُساندُ المُعلِّم في الصَّف؛ كونها تعكف على تدريس أبنائها بعد عودتهم من المدارس لِتكُونَ هي المُعلِّم المسانِد؟
ونحن اليوم أمام نَوْعٍ جديد من المُعلِّمين، كثير مِنْهم مَن يدخلُ الصُّفوف للتَّعليم، والبعض مِنْهم مَن تقاعدَ عن التَّدريس بالمدارس، والبعض لم يصنَّفْ قط بأنَّه مُعلِّم، بل يعمل في مجالٍ آخر، هؤلاء المُعلِّمون يقفون أمام منصَّات إلكترونيَّة يُقدِّمون الدروس لمختلفِ العلوم، من خلال هذه المنصَّات، تلك المنصَّات المُتاحة لجميع الطَّلبة من جميع أنحاء العالَم. إنَّ مُعلِّمي المنصَّات الإلكترونيَّة تجدُهم مُبدعين في طُرق تدريس المادَّة ويملكون مهارات في تبسيط الموادِّ الدراسيَّة؛ لِتكُونَ سهلةَ الفَهْمِ على الطلاب، بل يذهبون لأبعدَ من ذلك كونهم يُدرِّبون الطَّلبة على اكتساب مهارات مختلفة في مجال اختصاصهم، فمِنْهم مَن يُعلِّم الفيزياء، ومِنْهم مَن يُبدع في تدريس موضوعات الكيمياء، ومِنْهم يُبدع في تدريب الطَّلبة على حلِّ مسائل الرياضيَّات، ومِنْهم مَن أنشأَ مختبرات علميَّة في منزلِه يشرحُ فيها الدُّروس للطَّلبة، وتجدُ الطَّلبة يرتادون هذه المنصَّات ويحضرون هذه الحصص في أيِّ وقتٍ يُناسبهم ومن أيِّ مكانٍ، سواء كانوا في المنزل أو وهم يستقلُّون السيَّارة، ويستطيع الطَّلبة التَّواصُل مع هؤلاء المُعلِّمين من خلال المنصَّة الإلكترونيَّة لطرحِ الأسئلة على المُعلِّم، والاستفسار عمَّا أشْكَلَ عَلَيْهم في فَهْمِ الدَّرس. وقدِ اتَّسع نشاط هذه الفئة من المُعلِّمين، واتَّسعتْ دائرة تدريسهم لِتجدَ أنَّ الطَّلبة يحضرون حصصَهم من كُلِّ حَدَبٍ وصَوْب. فهذا المُعلِّم البريطاني المُبدع في طُرق التَّدريس يُدرِّس الفيزياء ويحضُر حصصَه طلبة من كُلِّ مكان في العالَم، وذاك المُعلِّم من عُمان الَّذي استقطب بطُرقِ تدريسه المُبدعة في اللُّغة العربيَّة الطَّلبة من كُلِّ مكان، ومُعلِّم يُبدع في تدريس حلِّ معادلات الكيمياء يتسارع الطلاب على حضور حصصِه، ويطرحون عَلَيْه الأسئلة من كُلِّ مكان. نَعم، إنَّهم مُعلِّمو المنصَّات الإلكترونيَّة، بالرّغم من براعتهم في تدريس موادِّ تخصُّصِهم، وكفاءتهم العالية، إلَّا أنَّهم يُقدِّمون هذه الخدمة تطوُّعًا، وكخدمات مجَّانيَّة، في حين أنَّ أصحاب المِهن الأخرى عِندما يُبدعون في اختصاصهم يجنون الأموال الطَّائلة من وراء خبرتهم المتميِّزة. فألْفُ تحيَّة لهؤلاء المُعلِّمين الَّذين يُعطون من خبرتهم لجميعِ الطلاب من أرجاء العالَم، ألْفُ تحيَّة لهؤلاء المُعلِّمين الَّذين يُقدِّمون عِلمَهم وخبرتهم تطوُّعًا بلا مقابل، هُمْ يُجسِّدون مَثلًا واضحًا بأنَّ التَّعليم رسالة إنسانيَّة، هُمْ يُجسِّدون مَثلًا بأنَّ حُبَّ العطاء بِدُونِ مقابل صفةٌ من صفةِ النُّبلاء، ويجسِّدون مَثلًا بأنَّ الحُبَّ الصَّادق للمهنةِ والإيمان بها تجعلهم يستمرُّون في الإبداع فيها، ويتخطَّون كُلَّ الصِّعاب.. فألْفُ تحيَّة لهؤلاء الَّذين أعطَوا بلا مقابل، ألْفُ تحيَّة لكُلِّ مَن علَّم النَّشء بشتَّى الصُّوَر، وتحيَّة خاصَّة لمُعلِّمي المنصَّات الإلكترونيَّة المُتطوِّعين... ودُمْتُم أبناء قومي سالمين.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@