الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

أنا وابن زوجتي

أنا وابن زوجتي
السبت - 31 أغسطس 2024 05:49 م

نجوى عبداللطيف جناحي

40

أخذتُ اِبْنَ زوجتي بَيْنَ ذراعَي صغيرًا، احتضنْتُه، دلَّلتُه، لاعبْتُه، كان هو جسري لقلْبِ أُمِّه والَّتي هي في الوقت نَفْسه ابنة خالي، فلَكَمْ صحبتُه إلى حدائق الأطفال لأتقرَّبَ مِنْه، وكم شاركتُه اللَّعب في المنزل، فكان هذا الصَّغير جسري لقلْبِ أُمِّه، حتَّى وجدتُه يتبوَّأ مكانةً في قَلْبي كُلَّما اقتربتُ مِنْه، فهو يكُونُ في استقبالي عِند عودتي من العمل لِيجريَ مشتاقًا لأحضاني، فأحيا في قَلْبي مشاعر الأبوَّة تجاهه، وأطربَتْني مِنْه كلمة بابا، ونشوة الفرح تغمر قَلْبي عندما يَطلبُ مِنِّي شراء الحلويات. ولَكَمْ غَلَبَني النَّوْم في سريره وأنا أحكي له حكايات طفولتي فيشتعل حماسًا لِيقولَ لي: بابا أريد أن أُشْبهَك في كُلِّ شيء، فيقيس كفِّي بكفِّه، ويلصق وجْهِي بوجْهِه لِيأخذَ من لِحيَتي، وكَمْ جزعتُ عند مرَضِه وسهرتُ بقُربِه الليالي، لم ينفكَّ لساني عن ذِكْر اسْمِه، هو موضوع حديثي مع أهلي وأصحابي، ويا لَفرحَتِي حينما يُرافقني إلى المسجد، وإلى مجالس أصدقائي، وهو يحاول أن يقلِّدَني في كُلِّ شيء حتَّى باتَ النَّاس يكنُّونني باسْمِه، فاقترنَ اسْمُه باِسْمِي، ولم يشكَّ أخوه (ابني الصَّغير) ثانيةً بأنَّه أخوه الأكبر. أمَّا عن يَوْمِه الأوَّل في المدرسة فكان أسعدَ أيَّام حياتي، فأخذتُه إلى المدرسة الَّتي درستُ فيها وأنا في عمره، فتجوَّلتُ في مَبناها واستعدتُ معه ذكريات الطُّفولة وأنا أمسكُ بيدَيْه الصَّغيرتَيْنِ وأجيبُ عن الأسئلة الَّتي تنهالُ عليَّ واحدًا تلوَ الآخر، والتقيتُ ببعض الأساتذة الَّذين أعرفُهم من قَبل، وأوصَيْتُهم بالاهتمام به، فهو ابني، وظلَّتْ أحداثُ هذا اليوم موضوعًا لحديثي مع صحبي. لكنَّ دوامَ الحالِ من المحال، فكان لا بُدَّ لي من صحوةٍ تُعيدُني إلى الواقع، وترجعني لقاعدةٍ اجتماعيَّة مُهِمَّة وهي: (خير الأمور الوسط) فالاعتدال في كُلِّ شيء مطلوب، ومَن يستغني عن هذه القاعدة في أيِّ شيء يُصبح ملومًا مذمومًا، فقَدْ تعرَّف ابني على ابْنِ عمِّه في النَّادي الرِّياضي، ونشأتْ بَيْنَهما صحبةٌ حتَّى تطوَّر الأمْرُ لتبادُلِ الزِّيارات المنزليَّة، وتذكَّر أهلُ أبِيهِ بأنَّ لدَيْهم حفيدًا يتيمًا، ونَسُوا أنَّني أنا الَّذي كفلته كفالة الأب لابْنِه، حتَّى أنَّه لم يعلَمْ بأنَّه يتيمُ الأبِ، ولكأنَّه فوجئَ بهذا الواقع: بأنَّ له أبًا تحتَ الثَّرَى وبأنَّ له أعمامًا، وأبناءَ عمومة، وبدَلَ أن يقدِّرَ فِعْلي، بدأ يعتقدُ أنَّني سلَبْتُه مِنْهم، ولِمَ لا؟! فَهُمْ يُغذُّونَ لدَيْه هذا الشُّعور، فهو اليوم ثمرةٌ جميلة لجهودي في تربيتِه، هو متفوِّق في الدِّراسة، يُحسن مجالسة الرِّجال، ومُتعدِّد المَواهب، يُنافِسُ ويفوزُ في المسابقات، فتعتزُّ به مدرسته. وبالطَّبع بدأَ أهْلُ أبِيهِ يقطفون الثَّمر فيعتزُّون بأنَّه رفعَ اِسْمَ عائلتهم بتفوُّقِه في مجالات عِدَّة، وتَناسَوا أنَّ هذا هو ثمرةُ جهدي وتربيتي له، فلولا احتضاني له لذاقَ العوَزَ، وتجرَّع مرارةَ اليُتْمِ. كَمْ مزَّقتْ قَلْبِي مشاعرُ الغيرة والحسرة، وكَمْ آلَمَنِي جفاؤه بعدَ التصاقِه به، حتَّى باتَ يُفضِّل مجالسَ أعمامِه على مجالِسِ أهْلِي وأقاربي الَّتي كنتُ آخذُه لَهُمْ بانتظامٍ وتربَّى في تلك المجالِس! ألَمْ يقُلِ الأوَّلون: مجالسُنا مدارسُنا؟ نَعم انكسَرَ قَلْبي حتَّى أدمنتُ الحزن، وانعكسَ هذا الحزن على تعاملي مع أُمِّه وأخيه، وآمنتُ بقاعدةٍ اجتماعيَّة جديدة لم تكُنْ في قاموسي قط، وهي: افْعَلْ خيرًا تلْقَ شرًّا، وكَمْ كنتُ أسمعُ أُمَّه وزوجتي بَيْتَ الشِّعر الَّذي يقول:

فقلْ لذوي المعروفِ هذا جزاء منْ **** بدا يصنعُ المعروفَ في غير شــاكر ِ

لكنَّ زوجتي أخذتِ الأمورَ برويَّة وصَبر في التَّعامل معَنا جميعًا، وأرجعتْنِي لقواعدَ مُهِمَّة في التَّعامل تُعِيدُ صغيرَنا لِسيرَتِه الأولى: وهي أن أرافقَه أنا لمجلسِ أعمامِه وأتباهَى أمامَهم به وأفتخرَ به بأنَّه ابنٌ بارٌّ مُطيعٌ لي، وبأنَّه في الوقتِ نَفْسِه من معدنِ أعمامِه الأصيلين، ودَعَتْنِي أن أتجنَّبَ المواقفَ الحميمة الَّتي كانت بَيْنِي وبَيْنَها والَّتي عادةً ما تكُونُ بَيْنَ الزَّوجَيْنِ كَيْ لا أُثيرَ غيرتَه، فهو اليوم بدأَ خطواته نَحْوَ مَعاني الرُّجولة، فقَدْ تُثيرُ هذه المواقف غيرتَه، فأصبحتُ أُعامِلُ أُمَّه أمامَه بكُلِّ احترامٍ وتقديرٍ وكأنَّها صديقة أو زميلة عمل، وكذلك تفعلُ هي. علَّقتْ زوجتي صوَرَنا أنا وهو في طفولته في كُلِّ أرجاء البَيْت، فهناك صورة تجمعنا في يَوْمِه الأوَّل في الدِّراسة، وهُنَا صورة تَجمعُنا عندما كنَّا في حديقة الألعاب، وأُخرى عندما سافَرْنا إلى إحدى الدوَل القريبة لِيلعبَ في حدائقِها المائيَّة، وأعدَّت زوجتي هديَّة مِنِّي له في عيد ميلاده، صورة تجمعنا أنا وهو وأُمَّه ونحن نحتفل بعيد ميلاده الخامس.. كتبتْ عبارة كنتُ أرددُها له كثيرًا أنتَ سنَدي في كِبري ورَجائي فيك لن يخيبَ. وأضافتْ هي عبارة: (أنتَ أرضٌ خصبة لن يبورَ فيها زرعي) وعلَّقتها في غرفته، وكَمْ كانت تحثُّني على أن أذكُرَ مآثر المرحوم أبِيهِ، لِتُعلِّقَ هي على حديثي بأنَّ الله عوَّضَه عن أبِيهِ خيرَ العوض.

كَمْ كانتْ هذه الخطوات صعبةً عليَّ، وتردَّدتُ كثيرًا في الذَّهاب إلى مجالِسِ أعمامه، وأخذتُ مِنْها عهدًا ألَّا تزورَهم، فالغيرة تشعلُ قَلْبي، لكنَّها بهدوئِها، وتريُّثِها معي أعانَتْني أن أجتازَ تلك الأيَّام الصَّعبة؛ لكَيْ يبرأَ جرحي حتَّى بدأَ أعمامُه يكنُّونني باِسْمِه، ويُحسنونَ مجالَسَتِي ويُبالِغونَ في تقديري، كنتُ أشكُّ بأنَّ هذا التَّعامل بناءً على توصياتِ زوجتي عن طريق إخوتِها، لم أتقبَّلِ الوضعَ في البداية، لكنَّ إصرارَهم على وصْلِي حفَّزني، وإصرارهم أن أظلَّ أنا وليَّ أمْرِ ابْنِ زوجتي في المدرسة وفي النَّادي طمأنني، ومعاملتهم لي كأبٍ لابْنِ أخيهم طمأن قَلْبي. هُنَا أدركتُ أنَّ الزَّوجة الهادئة الحكيمة هي الَّتي تُرسي سفينة الأُسرة على بَرِّ الأمان، وأدركتُ أنَّ حِكمتَها هي الَّتي قرَّبتني من ابْنِها حتَّى نجحت في إثارة مشاعر الأبوَّة تجاهه، وبحِكمتها أعادتْ ابْنَها لأحضاني بعد تمرُّده، وقرَّبتني من أعمامِ ابْنِها، فاظْفَرْ بالمرأةِ الهادئةِ الحكيمة تظْفَرْ بأبناء بارِّين، وعيشة سعيدة.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

Najwa.janahi@