الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الإحسان وعلامات أهله «1»

الأربعاء - 14 أغسطس 2024 05:31 م
20


أيها الأحبة الأعزاء.. أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن أحسن فأحسن الله إليه، فاللهم اجعلنا ممن لازم الإحسان واتصف به، فإن الإحسان سمة من سمات أهل الإيمان الذين يحبهم الله تعالى، فهم الأشمل خلقا والأكثر طاعة والأصدق يقينا والأحسن دينًا، (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (النساء ـ ١٢٥)، (والمتأمل في كتاب الله يجد الثناء العاطر على أهل الإحسان، وحديث جبريل ـ عليه السلام ـ حينما جاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أحسن صورة، وجلس أمام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أكمل جلسة، وسأله عن الإسلام، والإيمان، وعن اليوم الآخر، ومما سأله عن الإحسان، وأجابه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إجابة شاملة فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، بأي شيء؟ بكل العبادات، على أية حالة؟ فالإحسان هو: مراقبة الله في كل حال، فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخبر عن الله أنه فعلاً كتب الإحسان على كل شيء وأوقع الإحسان في كل شيء، فعن أبي يعلى شداد بن أوس ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:(إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) (رواه مسلم)، وإن هذا الحديث لهو القمة في التوجيه النبوي الكريم، وفي بيان حكم ومحاسن الإسلام في كل شيء، حقًّا إن الله كتب الإحسان على كل شيء) (شرح الأربعين النووية، لعطية سالم، 41/‏‏ 3).

فما أجمل ان يتزين المسلم بالإحسان، يل هو أولى الناس به، ولم لا؟ والمسلم إذا سلك درب الإحسان كان الله له مؤيدًا ووليًّا ونصيرًا، وكيف يغفل المسلم عن الإحسان الذي يجعله في معية الله دومًا؟،

(إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) (النحل ـ ١٢٨)، يقول ابن القيم في (التفسير القيم، ص: 267): (إنَّ أهل الإيمان منهم المحسن ومنهم المسيء، (وَبَارَكنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحسِن وَظَالِم لِّنَفسِهِ مُبِين) (الصافات ـ ١١٣)، فالمؤمن إما أن يكون محسنًا وإما أن يكون غير ذلك، والمحسن هو من كان من المقتصدين أو من السابقين بالخيرات، وقد أختص أهل الإحسان بقرب الرحمة منهم لأنها إحسان من الله أرحم الراحمين وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان لأن الجزاء من جنس العمل فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته، فمن تقرب بالإحسان تقرب الله إليه برحمته، والله سبحانه يحب المحسنين ويبغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه، والإحسان هاهنا هو فعل المأمور به سواء كان إحسانًا إلى الناس أو إلى نفسه. فأعظم الإحسان الإيمان والتوحيد والإنابة إلى الله والإقبال عليه والتوكل عليه وأن يعبد الله كأنه يراه إجلالا ومهابة وحياء ومحبة وخشية فهذا هو مقام الإحسان، كما قال النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم: وقد سأله جبريل عن الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، وإذا كان هذا هو الإحسان فرحمة الله قريب من صاحبه، وما أجمل ما وصف الله تعالى به جزاء أهل الإحسان، (آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ) (الذاريات ـ ١٦)، وهنا سؤال يطرح علينا نفسه ألا وهو: كيف يصل المسلم إلى الإحسان؟ وقد أجاب صاحب التفسير الوسيط على هذا السؤال، بأن الإحسان له عدة مكونات بها معا يكتمل الإحسان ويتحقق في قلب المؤمن وسلوكه فيقول «يطالب القرآن الكريم العالم المؤمن كله بأن يكونوا من أهل الإحسان في النية والقول والعمل، فبالنية يتحقق الإخلاص لرب العالمين، وبالقول الحسن يتم التعبير عما يكنّ في القلب، وبالفعل الحسن تؤدى الصلاة والزكاة على نحو متقن، وصلاح القلب بالنية المخلصة والإيمان الحق، مع صلاح القول، وصلاح العمل يحقق كل ذلك هدف الإسلام الأمثل، لتحقيق استقامة النفس، وتصحيح الكلام والتأدب بالأدب القويم، وتقويم السلوك والأعمال التي هي معيار تقدم المجتمع ورقي البشرية، فأهل الإحسان هم خلاصة الخلاصة، وصفوة الصفوة، بمعنى: أنهم أهل الإيمان القوي الذين بلغت بهم القوة إلى أنهم يتقنون كل عمل، فإذا صلوا أتقنوا الصلاة ولم يغفلوا فيها ولم يحدثوا أنفسهم، وإذا دخل وقت نافلة لم يضيعوها إلا بعمل ما يحبون وما يريدون، وهكذا بقية أعمالهم، وكذلك يحملهم استحضارهم لربهم على ألا يعصوه طرفة عين، فيكون ذلك كله سبباً لإتقانهم العمل، وذلك لأن أهل الإحسان جمعوا الخصال الثلاث فأصبحوا مؤمنين مسلمين محسنين، فهم جمعوا بين الإتقان للعمل، وبين العبادة لله كأنهم يرونه، وبين مراقبته، وبين الإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر، والصلاة، والصوم، والحج، جمعوا الأعمال كلها، وتركوا السيئات وابتعدوا عن الآثام، فهم أكثر من جهة الوصف) (التفسير الوسيط للزحيلي 3/‏‏ 2018).. وللحديث بقية.

محمود عدلي الشريف

 [email protected]