الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

وصايا لمقاومة الصدمات

وصايا لمقاومة الصدمات
الأحد - 11 أغسطس 2024 04:42 م

نجوى عبداللطيف جناحي

20

لا يُنهكُ الرِّجال شيءٌ كالقَهرِ والهَمِّ، فبهما تخور قوى المرء، وتضعف همَّته ويستسلم لِيكُونَ فريسةً بَيْنَ أنياب اليأس، فلا إرادة له ولا عزم يُنجيه من الانهزام، فيصاب بالأمراض، فيفترس جسده السَّقم حتَّى يقضيَ نحْبَه، فكم من عليلٍ كان سبب علَّته الهَمَّ، وكم من سقيمٍ كان سبب سقَمِه القهر، وكم رجُل ساقَه الحزن والقهر إلى لحدٍ يأوي فيه إلى أبد الآبدين.

تحكي لي امرأة قصَّة وفاة جدِّها الَّذي كان يمتلك سُفنًا لصَيدِ اللُّؤلؤ في الزَّمن القديم، وقد حقَّق من وراء صناعة صَيْد اللُّؤلؤ ثروة كبيرة، فنعمَ في هذه الثَّروة برغدِ العيش هو وأُسرته وعائلته، فغِناهُ هو سببُ وجاهته بَيْنَ قومه، فمجلسه عامرٌ بالزوَّار، وموائد الطَّعام الَّتي يفردها تستقطب الضيوف. وذات يوم فوجئ بخبر غرق سُفنِه في البحر وهلاك كُلِّ مَن فيها، فخسرَ أمواله وتراكمت عَلَيْه الدُّيون، وغابَ عن مجلسِه زوَّاره، وانفضَّ من حَوْلِه مَن جلَسَ على موائده، فقاسَى من ألَمِ الفقْرِ والعوز، وذلِّ سؤال الديَّانة له، وإهانات مَن لَهُ حقوق عِنده، وكثرَ لائموه حتَّى من أقرب النَّاس إِلَيْه، فظلَّ قلْبُه يتوجَّع حتَّى انكسر قلْبُه، وظلَّ يتجرَّع مرارة صدمته في أحبَّته وأقاربه الَّذين كانوا حَوْلَه، فخذلَه مَن خذلَه، وشمتَ فيه مَن شمتَ، فاستسلم للحزنِ حتَّى انعصرَ قلْبُه واستسلم للهَمِّ حتَّى عيَّ جسدُه وباتَ فريسةً للأمراض، بَيْنَ ارتفاع ضغط الدَّم، وتهيُّج القولون، وارتفاع السكَّر، حتَّى تحوَّل لفريسةٍ لهذه الأمراض بَيْنَ ليلةٍ وضحاها، ولم يمكثْ طويلًا حتَّى توُفِّيَ، فأسلَمَ روحه لبارئها يأسًا من الحياة، فكأنَّه عَدَّ الموت أهونَ من حياة المَذلَّة. تقول تلك المرأة، كان والدي حينها صغيرًا ما زال غضًّا طريًّا، فوجدَ نَفْسَه يتيمًا فقيرًا، فصارَ عزيزَ قومٍ ذلَّ، وباتَ فقيرًا بعد الغِنى، حتَّى جازتْ عَلَيْه الرَّحمة لكنَّه لم يجدْ مَن يرحمه، فأدركَ أن لا مكانَ له بَيْنَ النَّاس إن لم يكُنْ قويًّا، فلا فائدة مِن استجداءِ رحمة النَّاس وعونهم، فقرَّر أن يُعِيدَ لوالدته مكانتَها وعزَّتها، فشقَّ طريقه لكسبِ الرِّزق، ولتعويضِ خسائرِ والدِه رغم صِغَر سنِّه، فهجَر ملاعب الأطفال، لِيعملَ تاجرًا في الأخشاب، فتحوَّل لسندباد يجوب البحر بَيْنَ الهند وبَيْنَ بلدِه فيصارع الأعاصير والأمواج، وصادَقَ فئران السَّفينة ولاعَبَها، وكم باتَ اللَّيالي في مرفأ السُّفن لِيسابقَ التجَّار إلى صنَّاع السُّفن فيفوزَ بصفقاتِ بيْعِ الخشب، ويَعُودَ بالمال لأُمِّه لِيُعيدَ لها عزَّتها الأولى، وظلَّ والدي متربِّعًا على عرش القوَّة رغم ما لاقاه من أهوالٍ. إنَّ هذه الحادثة طبعتْ بصَماتٍ في قلبِ والدي فأصبح رجُلًا قويًّا لا تهزمه الصَّدمات، فتعلَّم من قصَّة والده مجموعةَ قواعدَ تحميه وتُقوِّيه أمام عواصف الزَّمن، وظلَّت تلك القواعد شعارًا له طوال حياته، حتَّى صارت وصايا ذهبيَّة يُوصينا بها دائمًا نحن وأبناءنا من بعدِنا، تلك الوصايا باتتْ مصْلًا مضادًّا في جوارحنا يَحمِينا من الصَّدمات وهي:

• لا تبسطْ يدَك كُلَّ البسْطِ فتقعدَ ملومًا محسورًا، فالاعتدال في الكرمِ أمْرٌ ضروري، والاعتدال في النَّفقة على الأبناء ضرورة يجِبُ الالتزام بها، فهؤلاء الأقارب والأبناء هُمْ أوَّل مَن سيلومُك ويُعيِّرك إن طعنتَ بأسْهُمِ الفقر، فاجعلْ من مالِك نصيبًا لأهلِك، ونصيبًا لأقاربِك، والنَّصيب الأهمُّ ادَّخره ليوم العُسر، واجعلْ مدَّخراتك في بندَيْنِ، بند مدَّخرات للمعيشة، وبند مدَّخرات لتبدأَ نشاطك التجاري من جديد إن تعثَّرت يومًا.

• توقَّع الخُذلان من كُلِّ مَن هُمْ حَوْلَك حتَّى ممَّن جادتْ يدُك لَهُم بالعطاء، وكنتَ سندًا لَهُم، لِتحميَ قلبَك من صدمةِ الخذلان، فافعلِ الخيرَ ولا ترْجُ مِنْهم ردَّ الفضلِ والجميل، فإنَّ خيبةَ الأملِ تكسر القلبَ، وتُوهنُ الجسدَ. وتذكَّرْ قولَ عليّ بن أبي طالب ـ كرَّم الله وجهه ـ: أحبِبْ حبيبَك هونًا ما عسَى أن يكُونَ بغيضَك يومًا ما، وأبغضْ بغيضَك هونًا ما عسَى أن يكُونَ حبيبَك يومًا ما.

• احذرْ من غدرِ الأصدقاء وشركائك في العمل، فالحذرُ يَقِي مِن الضَّرر، فقدْ قال الإمام عليّ ـ كرَّم الله وجْهَه ـ: احذر عدوَّك مرَّة ومِن صديقِك ألْفَ مرَّة، فلرُبَّما انقلبَ الصَّدِيقُ عدوًّا فكان أعْلَمَ بالمَضرَّة.

• تعلَّمْ فنَّ النُّهوضِ بعد السُّقوط، وفنَّ تجاهُلِ الآلام، لِتكُنْ صلبًا قويًّا وتذكَّرْ قول الشَّاعر: (مَن عرفَ الرزايا وهو طفل... لا يهابُ الرزيا حين شابا).

• لِيكُنْ مكانُك فوقَ القِمم، واحذرِ العيشَ في القيعان والوديان والحُفر، وتذكَّرْ قول الشَّاعر أبو القاسم الشَّابّي:

مَنْ لا يُحِبُّ صُعُودَ الجِبَـالِ... يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر

تلك الوصايا الموجزة في مأثورات كنَّا نرددُها طوال حياتنا، ونذكِّرْ بعضنا بعضًا بها لِنحميَ أنْفُسَنا من عواقب السُّقوط، حتَّى تعلَّمنا فنَّ التَّعافي من السُّقوط، وزادت قدرتنا على مقاومة الصَّدمات، حتَّى باتتِ الصَّدمات تستهوينا، وباتَ الدخول في المغامرات والمجازفات لعبةً نتسلَّى بها، فتعلَّمْ يا بُنيَّ كيف تقاوِم الصَّدمات تغنم... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

Najwa.janahi@