تُعَدُّ «السَّراديب» (مفردها سرداب)، أي البناء في باطن الأرض من أهمِّ المظاهر العمرانيَّة لمدينةِ النَّجف، وهي واحدة من مُدُن الأضرحة الدِّينيَّة المقدَّسة، حيث يتوسَّطها الضَّريح الحيدري الشَّريف (مرقد ومزار الإمام علي بن أبي طالب، «رضي الله عَنْه»).
تُذكِّرني سراديب مدينة النَّجف (وقد رأيتُ بعضها) بالأنفاق الَّتي حفرَها الغزيُّون الأبطال لأغراضٍ عسكريَّة، إذ إنَّ سراديب النَّجف بُنيَت لأغراض عسكريَّة كذلك، خصوصًا في أزمنة تعرُّض هذه المدينة التَّاريخيَّة لغزوات البَدوِ من الصحراء، زيادةً على تعرُّضها لهجماتِ القوَّات البريطانيَّة في فترة الاحتلال البريطاني على سنوات العَقدِ الثَّاني من القرن الماضي (العشرين) أثناء «ثورة النَّجف».
بعض سراديب النَّجف عسكريَّة الأغراض كذلك؛ لأنَّها حُفرت وبُنيَت للإخفاء والتَّواري عن الأنظار، وهي ظواهر معماريَّة تستحقُّ الملاحظة والرَّصد، خصوصًا عَبْرَ الأراضي الرمليَّة الرَّخوة، حيث يسهل حفر السَّراديب على أعماقٍ مختلفة تتراوح بَيْنَ أربعين مترًا عمقًا وبَيْنَ أربعة عشر مترًا أو ستَّة أمتار فقط، علمًا أنَّ بعض السَّراديب «العسكريَّة» لها فتحات تَهْوية خاصَّة، زيادة على فتحاتٍ لهروبِ المختبئين بداخلها باتِّجاهاتٍ يصعُب التكهُّن بها مِثل «وادي السَّلام». هذه مخارج سريَّة تؤدِّي إلى «بحر النَّجف»، وهو منخفض أرضي مهول يُستغلُّ للزِّراعة والرَّعي.
ولهذه السَّراديب سلالم خاصَّة من دواخل بيوت النَّجف، حيث يكُونُ الدخول إلى السّرداب میسَّرًا، ناهيك عن أنَّه يحمي مَن يكُونُ بداخله حتَّى من القصفِ بالقنابل الثقيلة، إذ تمتصُّ أرض النَّجف الرمليَّة هزَّات أقوى المتفجِّرات، ثمَّ تبعثرها هباءً.
أمَّا الآن، وقد غزتِ الحضارة الحديثة العمارة النجفيَّة القديمة، فراحت سراديب النَّجف تندثرُ بفعلِ المياهِ الجوفيَّة (النزيز) المرتفعة هناك، بَيْنَما أخَذَ السكَّان يستعملون السَّراديب لأغراضٍ أخرى كتخزين المُؤن والمواد الغذائيَّة؛ نظرًا لِمَا يمتاز به السّرداب من برودة أثناء فصل الصَّيف القائظ هناك، كما يُفضِّل النَّجفيون القيلولة في السَّراديب بسبب هذه البرودة الَّتي تمتاز بها أثناء فصلِ الصَّيف اللاهب.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي