ما أصعب تلك اللحظات المفجعة التي تسرق سهاد الطمأنينة والهدوء من قلبٍ يغدق الوطن قنطار تلو آخر بين الغزل والمدح والوطنية وعتاب النفس ودماثة الخلق وشذر من اللطائف والبسمة؛ مما أثقل ذلك الحمل الذي يلقيه القدر على قلوب وجلة عذراء لا تفقه من مملكة الموت وفلسفتها قيد أنملة من القساوة والغلظة، بين غمضة عين وانتباهتها يذبل سحر الجمال والبهاء ليشتعل رأس الولدان شيباً؛ فيسدل على نعومة السعادة أطناناً من الشحب والبؤس المرير، يعجز قلمي المكلوم اليوم عن نسج ملحمة عندليب القصيد الذي توشَّحت بزهره الفواح عمان من أقصاها إلى أقصاها، تخطفه الموت في غمرة الحب والسعادة بين أحضان الثقافة والحضارة دون أن يطرق ربيعه الأربعين، فلا عزاء لعمان وسكانها الطيبون إلا الإيمان الصادق بحق قضى الله وقدره."الشعر هو السفر الذي يطوي الطريق المار في وسط غابات الحياة المظلمة، وهو عمود النور الهابط من شمس الأمل، هو الطفل الذي يتمرجح بلا أغصان ويلعب بماء النهر، هو الحلم الذي لا يتكرر مرتين، هو الهواء الذي لا نستطيع القبض عليه ولا نستطيع العيش بدونه، نحبه حينما يتمرد علينا، ويدهشنا حينما يثور ويغضب ويحطم أنخاب الوهم، وننزعج منه حينما يكون بسيطا وطيبا وساذجا".. كلمات توحي بوزن قلم رصين وحصيف حينما سُئل ما الذي يعنيه الشعر لحمد الخروصي؟ ألف بساطته وسماحته وكرمه وخلقه النبيل كثيرٌ من عاشقيه في عمان والخليج العربي وبلاد شتى، تغنى كثيرا في بحور الشعر وأطرب محبيه وحاقديه بنبراته الرخيمة، وأوزانه السجية، ومفرداته العذبة، تأبَّطت عليه شرًّا بعض الأيادي لتلقيه في غياهب التهمة بالخيانة والنذالة، لكنه كان عصيًّا في أن يمضغ لحمه الطاهر بدناءة المال وشراء الذمم، صدح بأعلى صوته أن عمان طاهرة بمخلصيها وقائدها الهمام، أنشد مداده هيام عاشقيه لينثروه دمعاً وحُبًّا على روضة قبره الطاهر:((حمـامة الجنة تعودفاقدة سرب الأهلسافروا خلف الحدوديوم ما حان الأجلعيونها حزن وصمودبالله وعمان الأمل)).دافع عندليب القصيد عن وطنه الطاهر وحارب مواطن الفساد التي غرسها في نفوس أبناء الوطن القائد الوالد حفظه الله، وحينما زج به بين القضبان وقبل أن تأتي براءته من سيد العدل وصاحب الرأي الحكيم حضرة صاحب الجلالة حفظه الله ورعاه، تدفق القصيد بين جوانح شاعر مجروح مكلوم؛ فشدا القلم قولا عميقاً جاء فيه:((شبيهك يالوطن هذي الوجوه النابتة بالسمرشبيهك يالوطن هذي القصائد قهوة الغربةشبيهك يالوطن أمي العزيزة وإخوتي والفقرشبيهك بيتنا المركون والحارة على دربهكتبنا والوجع طين الضلوع اللي حناها الحبررضعنا والألم ثدي الجروح وماتت الرغبةهنا والموت أحلام وصبايا واغتصاب الشعرهنا والموت تفاحة صلاة وجوع أشعر بهشبيهك يالوطن وش هو شبيهك غير هذا الكفر؟وأنا المنفاي بترابك وأنا المسجون بالرهبةنعم علقتك بغرفة حصاري والجدار القبرسنين وبيني وبينك يحول الخوف والتربةيا أمي والوطن حزمة دروب وطعنة في الظهريا أمي والغياب اللي نبش قبري قبل ربهيا أمي والذهاب اللي كسر فيني زجاجة عطريا أمي والوطن يا مبعده عني.. ويا قربهيا أمي وأصدقاي اللي دفنت إبملح هذا البحريا أمي وأصدقاي إشكثرهم.. يا قلهم صحبة!يا أمي والغياب أبن الرحيل السرمدي للطهريا أمي والوطن أطلق عنان الريح مع سربهتذكرت الوطن وأمي الحزينة وبيتنا والفقرتذكر يالوطن ليل الحصار بغرفة الغربة)).لَمْ ينسَ حَمَد الخروصي - رحمه الله - ألمَه المدفون وجرحه النازف بفقد أخيه "حمود"، إثر حادث سير لينسدل تبر الشعر حزناً وألماً.. فيشدوا :((اليوم رابع يوم للفقد يا حمودوالحال يعلم فيه يا أخوي ربكيا بعد عمري إنت يا ليتك تعودما زال مسجدنا يراقب لدربكماني مصدق كيف ما عدت موجوديعني محال ألقاك وأجلس بجنبكودي أشوفك نور في أيامي السودوأهمس في أذنك يا حبيبي: أحبكيا دعوة إخوانك وأنا أخوهم العوديكون قبرك واسع مثل قلبكويفوح منه الورد ومعتق العودالشمس مصباحك رضى الله سحبكوالله يجمعنا معك -مشط بارود-وقبورنا يا أخوي شرقك وغربكتحكي لنا عن جنة الخلد يا حموددامك سبقت الكل وأخترت ربك)).كم سيفتقدك القصيد ويبكيك القلم يا حمد، نحن بحاجة لأن نشنف آذاننا لشدو نبراتك المخلصة وعذوبة خواطرك الصادقة، رحلت بلا ميعاد وكنت تتلقف الموت من كل حدب وصوب فلا يأتيك، دخلت قلوباً لم تعرفك، وألفتك وجوه لم تبصرك، رحم الله روحك النقية، وأسدل على جسدك الطاهر فيضاً من أنهار الرحمة والمغفرة، نم بسلام فستذكرك الأقلام بعظيم قولك ونبيل خلقك وتحتضنك قلوب المخلصين برونقها الإنساني الزاهي.. وإنا لله وإنا إليه راجعون....!سُلطان الخرُوْصِي [email protected]