اجرى اللقاء وحيد تاجا
اكدت الروائية الفلسطينية رجاء بكرية خلال هذا الحوار ان الانتقال من الكتابة للكبار إلى الكتابة لليافعين هي (مغامرة) بحق، مشيرة إلى ان الأعمال الإبداعية التي تتوجه إلى اليافعين قليلة جداً نسبة لما يُكتب للاطفال والكبار..

✱ ـ يلاحظ انتقالك في الكتابة من الكبار إلى اليافعين. ما الذي جعلك تخوضين غمار هذه (المغامرة).؟
✱✱ هي مغامرة بحق، علينا أن نعترف أوّلا بصعوبة المهمّة حين يجري الحديث عن جيل ضائع مرتبك ما بين مرحلتين الاعداديّة في طريقها للثّانويّة العامّة. جزء من عملي يتعامل مع حلقات في الكتابة الابداعيّة لليافعين، المرحلة الواقعة بين المرحلة الاعداديّة والثّانويّة العامّة. في اطار هذه الحلقات عثرتُ على مساحة فارغة جدّا في الأدب الّذي يعزّز ثقة المتلقّي (الطّالب) بالكلمة، والمضمون. كنتُ بحاجة لمادّة ليست (المكتبة الخضراء) الّتي يُفترض أن تُقرأ في جيل السّابعة مثلا. فوجئت بأنّ بعض الطلّاب في المرحلة الاعداديّة يقرأون (المكتبة الخضراء)، وبفخر والبعض الآخر ينغمر بقصص من الدّرجة الثّانية أو الثّالثة باللّغة الانجليزيّة ضارباً صفحاً عن الأدب الجميل باللّغةِ العربيّة. شَدّتني الظّاهرة، وبسببها رحتُ أقلبُ إصدارات دار النّشر كي أعثر على ما يناسب هذه الفئة العُمريّة. عثرت على كتب متواضعة في مستواها ومضامينها، لم تُشفِ رغباتي. لا توجد روايات من الوزن الّذي يتحرّش بقارىء مهووس بالشّاشات الحكيمة خلاف الأدب المترجم، البوليسيّ على وجع التّحديد.غالبا يذهب معظم القرّاء للكتب المترجمة الّتي لا تناسب أجيالهم. هنا ازدحمت رأسي بفوانيسها الحمراء، وبدأتُ أغامر بالسّؤالِ والنّبش عن استراتيجيّة مناسبة لإدارة شكل العلاقة بين الطّالب والكتابة، والرّواية تحديدا. لا يبدو الأمر سهلاً كما سيخيّل اليك، بل أِشبه بصعود جبل حادّ الانحدار دون الاستعانة بأداة تسندُكَ كلّما أوشكت على التّراجعِ خلفا.
✱ ـ وكيف نضجت فكرة رواية (نمر الثلوج) ؟
✱✱ كنتُ أحاول أن أعثر على الحلقة المفقودة في مسار التطوّر الطّبيعي عند جيل اليافِعين في تناولِ أدب يناسب تفكيرهم ولا يستخفّ بقدرتهم على تجاوز العادي الممجوج. من غير المعقول أنّ الأدب الّذي يناسب هذه الفئة العُمريّة قد اختفى عن الرّفوف للاعودة. لكنّ المغامرة الحقيقيّة بدأت يوم قرّرت أن أخوض غمار هذا اللّون الأدبي عبر رواية استغرقت منّي جُهدا ووقتا غير بسيطين. حكاية هذه الرّواية تعود لسنين عدّة خلفا حين كتبتُ قصّة مستوحاة من رسومات كاريكاتورة فاتنة عن الفنّ الصّيني أشبه بمِنياتورا، (رسمة مُصغّرة). شكل التّداخل الصّوري الّذي رافق اللّوحة كان سبباً في المغامرة، لم تبق القصّة قصيرة إذ شعرتُ أنّ نَفَس الكلمات أقوى وأبعد، وأنّ ما لخّصتُهُ في قصّة قصيرة يكسرُ الاطار ويسترسل في الحكاية، ويتّسع ليصير رواية. كنتُ أغامر بمساحة ليست لي لكنّها ممكِنة، وأنعفُ شوارعَ بلا اتّجاهات من عطر لا يعرفهُ كُثُر مستوحى من مُدن ودول مُدهشة في عراقة تاريخها، بل ودخلتُ تخصّصات لم أتمهّن فيها وازددتُ قراءة ونبشاً في عوالمها. المسافة بين استيعاب المضمون وفهمه جيدا ومحاورته داخلياً تحتاج مساحة من الانقطاع كي تبحر في ملكوتِ جهاتها. هكذا كان الإبحار ممتعا. سفر ماتع حيث أحببتُ أن أكون ذات يوم. كنتُ أحرّض الرّهف على مجابهةِ عنف الواقع كي أسحب الذّائقة لمغامرة أبعد تفرِحُ الرّوحَ والجسد
✱ ـ ولماذا اخترت (نمر الثلوج) تحديداً؟
✱✱ اخترت النّمر وأصولهِ بعد أن بحثت عن صور كثيرة تخصّ النّمور ومواطنها الأصليّة. أردت صنفاً ناعماً وجاذباً يتماشى مع جماليّات السّرد. حرصت أيضاً على دفء المعلومة وليس على صحّتها فقط. كيف يبتسم القارىء وهو يتخيّل حركاتهُ ودعساته، ويأخذ من المعلومة بما يفيض عن المخيّلة فينشغل بتحليلها. أنا ممّن يعتقدون أنّ غياب التّحليل الفنّي في استقاء المعلومة وتفكيكها سبباً مباشراً في العسر التّعلُّمي والقرائي عموماً. كانت لديّ رغبة في إطلاق المخيّلة على غاربها ومجابهة الصّعوبة بالهجوم عليها وليس بدحرِها. عملي عليها ضمن الورشات الكتابيّة ساعدني على فهم السّبب الحقيقي في تخلّف منسوب القراءة لدى الجيل الناشئ والوطن العربي عموماً. لم أتفاجأ ممّن التهموا الرّواية ولا ممّن تصّعبوا الخوض فيها. تفهّمتُ وفرحتُ بالوضعين.
✱ ـ هل كانت (المعرفة) هي الهدف الأساسي من الرواية، أم السعي لتحقيق الحلم؟
✱✱ بالعادة، المعرفة تأخذ أصحابها بتلقائيّة الى الحلم، وليس أيّ حلم. وعليه لجأتُ لضرب عصفورين بحجر واحد. كنت دائماً مع الامتلاء والتّحليق اللّامحدود، واذا كنتُ في سعي خلف الامتلاء الفكري على صعيد شخصيّ فحتماً سأبتغيهِ لجيل كامل. بدون ذلك لا تجدي خططنا في تطوير العقل والذّائقة. الجيل النّاشىء يختلف عن جيلنا .. عن حماسنا في امتلاك المعلومة وتذويب أبعادها، تحليلها واستغلالها حتّى اخر رمق كما كنّا نفعل، وينقصه التّوجيه، واستدراجهِ بكلّ وسيلة. والغريب أنّ كلّ هذا التّراجع يحدث وهو يمتلك أقوى سلاح معلوماتي، الشّاشات الذكيّة. علينا أن نفكّر إذن بموضع الخلل. الخلل يهيمن على المنظومة الفكريّة التّعليميّة بمجملها وعلى أساليبها، ونحن لا نعرف أين نضع اصبعنا كي نستفيد من ارهاصات التّجارب الّتي نخوضها ونفشل. متابعتي محدودة لحيثيّات الحدث وتداعياته، لأنّ مشروعي الرّوائي يسيطر عليّ بوعيهِ ولاوعيهِ. لكنّي أقرع الجرس بقوّة كي تتنبّة المرجعيّات الرّسميّة وغير الرّسميّة لخطورة ما نحن عليه.
✱ ـ ولماذا اخترت الصين وجبال التيبت مكاناً لروايتك؟
✱✱ كسراً للرّوتين والمتداول والمَلول، لا يناسبني غير الاخلال بثوابت لا أقبل أن أكون غير متغيّراتها. ما يكتب للفتيان ينطوي على استخفاف سافر باحتياطيّ الذّكاء الّذي لا يزال مُغلّفا بجِلدتهِ الأولى في خانات عقولهم. فنسبة ما نستغلّه من الطّاقة الفطريّة الكامنة لديهم ضئيلة جدّا، ولماذا ضئيلة! لأنّنا ككتّاب نذهب الى قاع الجبل ونأخذ ممّا تساقط من قممهُ من فائض وهامشي لا يسأل عنه أحد. نخاف مشاريع التسّلق غير مأمون العواقب، فنجور على طاقة الابداع الّتي لنا وعلى قرّاء يتسلّون بِنا ولا يأخذوننا على محمل الجِد. جبال التّبت جغرافياً ساحرة شكلاً ومضموناً، والصّين كحضارة مادّة شيّقة للاكتشاف. المغامرة واحدة من هوايات قلمي وجذب القارىء اليها هدف لا يستكين في مشاريعي. والفكرة طغت عليّ صدفة، وانجرفتُ الى عوالمها غزيرة المتعة.
✱ هل تُعتبر الكتابة للفتيان فناً قائماً بذاته له أدواته الخاصة، أم أنه اجتهاد خاص من الكاتب يبحر فيه متى يشاء. وبالتالي بماذا يجب أن يمتاز كاتب رواية الفتيان عن غيره من الكتاب؟
✱✱ سؤالك جميل. اذا كان الكتّاب العرب لم يتنبّهوا لهذا الأمر فربّما علينا أن نغامر في اثارة هذه المسألة، فأدب النّاشئة يخصّ النّاشئة فقط، قد يستذوقه الكبار أيضا لكنّه فنّ يخصّ هذه الفئة العُمرية دون سواها؟ له أدواته ولغته. وليس من حقّ كتّاب الكبار الّا فيما ندر بعينيّ الاعتداء على هذا الفنّ الابداعي. فكتّاب رواية الكبار لا يملكون أدوات تؤهّلهم للخوض في خضّم عالم غريب عنهم ولا كتّاب الأطفال بالمناسبة. فلكتابة الطّفل عالمها ومصادر ثرائها. الخلطُ لدينا في العالم العربيّ بين التخصّصات وثقافة الكتابة أفسد علينا التخصّص والتمهّن وحتّى الموهبة.
✱ سؤال أخير . بصفتك فنانة تشكيلية إضافة لكونك روائي. ما رأيك بدور الرسم في أدب الأطفال وهل تلغي القصة المرسومة النص الأدبي؟
سأنتقل هنا لفنّ أدبي آخر يختلف، هو أدب الأطفال، لكنّي سـأخوض فقط في رسوماتهِ على متابعتي الواسعة لهُ على مستوى عملي في الارشاد لجيل الطّفولة سابقا. وسأضيف أنّ علاقتي برسومات الأطفال تدعمها أبحاثي الأكاديميّة الأخيرة المُقدّمة للمؤتمرات الدّوليّة. تخصّصي في الكاريكاتورة يفتح نافذة واسعة على لغة الحوار الفاعلة مع جيل عربيّ واسع، لأنّ الأجنبيّ استفاد منه منذ أجيال. رأيي المتواضع يعزو الانفتاح الذّهني والتّخييلي لدى الأطفال للفنّ الكاريكاتوري. وهو يعتبر أكثر اللّغات الفنيّة التّحويريّة تأثيراً وفاعليّة في عالمهم، فطبيعة الخطّ الكاريكاتوري مرنة وشفّافة تحاور الطّفل بفنيّة بالغة الرقّة وتستدرج دهشة عالمه حدّ دفعهِ للابتكار والتّحديث على مستوى الفهم والتّحليل. وهو ما لا نملكه في لون فنيّ اخر، فالواقعيّة والتّعبيريّة يؤثّران في مخيّلة الكبار أكثر ممّا يفعلون للصّغار. لغة الكاريكاتورة تتوفّر على ميّزات تقنيّة تثير الفرح وتلوّن الأصابع والعينين أثناء تأملّها. فالتّشويه والمبالغة وتبديل الخطوط، سمكها وأطوالها وزوايا انحناءاتها، تمنح الطّفل ثقة بأنّهُ فنّان حقيقي حتّى أنّه يملك القدرة على مجاراة ريشة محوّر النّص الأدبي، هكذا تتداخل النّصوص في مخيّلتهِ وهو يستقبل متغيّرات الرّسمة ليطوف فوق بحر رسومات ممهورا بقدرات خلّاقة. قدرته على مجابهة تشوّش الواقع الّذي نعيشه والأدب الّذي نصنعه أو نقرأه يفرزان حالة. والوعي الّذي يرافق دور النّشر في تبنّي الظّاهرة سيقدّم لنا جيشا مثقّفا من الأطفال الّذين يصيرون ناشئة بوعي فكري نافذ كي يسدّوا ثغرة النّقص الّتي نعيشها.
يذكر ان رجاء بكرية كاتبة وفنانة تشكيلية فلسطينية من عرب الـ 48. تسكن في مدينة حيفا. حاصلة على الماجستير في اللغة العربية وآدابها من جامعة حيفا. أستاذة محاضِرة في الفنّ التشكيلي، والكتابة الإبداعيّة. تكتب في القصّة القصيرة، والرّواية، وفي نقد الفنّ المرئي. تُرْجِمَت اعمالها للغاتٍ عدّة منها، الإنجليزيّة، الإيطاليّة، الفرنسية، النّرويجيّة، الكرديّة، والعبريّة.
صدرت لها مجموعة نثرية بعنوان (مزامير لأيلول) ، ومجموعة قصصية بعنوان (الصندوقة). وثلاث روايات (عواء ذاكرة) ، (امرأة الرّسالة) و(عَيْن خَفشَة) ورواية لليافعين (نمر الثلوج).