لقد توقفنا ـ أيها الأحبة ـ في المرة اللقاء السابق عند الأسباب التي جعلت تخطيط الهجرة محكم الدقة لاختيار أبي بكر الصديق ليكون الرفيق الخاص لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في هجرته المباركة، ولما كان ذلك ترتيبًا دقيقًا خاليًا من الثغرات، مسددًا كل الطرق أمام كل العقبات، إلا أن هناك مفاجآت ترتبت على ذلك:
أولًا ـ مفاجأة ترتيب الغار: ففي (سيرة ابن هشام، ت: السقا 1/ 486):(قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم، أن الحسن بن أبي الحسن البصري قال: انتهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر إلى الغار ليلًا، فدخل أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ قبل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلمس الغار، لينظر أفيه سبع أو حية، يقي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنفسه)، وفي (مشكاة المصابيح 3/ 1700):(عَن عمر ذُكِرَ عِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ فَبَكَى وَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ عَمَلِي كُلَّهُ مِثْلُ عَمَلِهِ يَوْمًا وَاحِدًا مِنْ أَيَّامِهِ وَلَيْلَةً وَاحِدَةً مِنْ لَيَالِيهِ أَمَّا لَيْلَتُهُ فَلَيْلَةٌ سَارَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَى الْغَار فَلَمَّا انتهينا إِلَيْهِ قَالَ: وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُهُ حَتَّى أَدْخُلَ قَبْلَكَ فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ أَصَابَنِي دُونَكَ فَدَخَلَ فَكَسَحَهُ وَوَجَدَ فِي جَانِبِهِ ثُقْبًا فَشَقَّ إزَاره وسدها بِهِ وَبَقِي مِنْهَا اثْنَان فألقمها رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ادْخُلْ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَوُضِعَ رَأسه فِي حجره وَنَامَ فَلُدِغَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِجْلِهِ مِنَ الْجُحر وَلم يَتَحَرَّك مَخَافَة أَن ينتبه رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَسَقَطَتْ دُمُوعُهُ عَلَى وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: لُدِغْتُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي فَتَفِلَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَذَهَبَ مَا يَجِدُهُ)، وذكر صاحب (سير أعلام النبلاء) مثل هذه الرواية، وإذا كانت صحيحة أم غير ذلك على حسب من أيدها ومن ردها، ولكن هذه المفاجأة التي كانت تنظر أبا بكر، ولولا ماذا كان سيحدث لرسول الله؟.
ثانيا: في (دلائل النبوة للبيهقي، محققًا 2/ 476):(لَقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ لَيْلَةَ انْطَلَقَ إِلَى الْغَارِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فَجَعَلَ يَمْشِي سَاعَةً بَيْنَ يَدَيْهِ وَسَاعَةً خَلْفَهُ، حَتَّى فَطِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَالِكَ تَمْشِي سَاعَةً بَيْنَ يَدَيَّ وَسَاعَةً خَلْفِي؟ فَقَالَ. يَا رَسُولَ اللهِ أَذْكُرُ الطَّلَبَ، فَأَمْشِي خَلْفَكَ، ثُمَّ أَذْكُرُ الرَّصَدَ فَأَمْشِي بَيْنَ يَدَيْكَ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ لَوْ كَانَ شَيْءٌ أَحْبَبْتَ أَنْ يَكُونَ لَكَ دُونِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَانَتْ لِتَكُنْ مِنْ مُلِمَّةٍ إِلَّا أَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ لِي دُونَكَ)، وبالفعل حدث ما تخوف منه أبوبكر، ففي (سيرة ابن هشام 1/ 489): (ذكر ابن إسحاق: عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن عمه سراقة بن مالك، قال: جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم. قال: فبينا أنا جالس إذ أقبل رجل منا، فقال: والله لقد رأيت ركبه ثلاثة مروا عليَّ آنفًا، إني لأراهم محمدًا وأصحابه، قال: فأومأت إليه بعيني: أن اسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان، يبتغون ضالة لهم، قال: لعله، ثم سكت. قال: وكنت أرجو أن أرده على قريش، فآخذ المائة الناقة. فركبت على أثره، فبينما فرسي يشتد بي عثر بي، فسقطت عنه. قال: فقلت: ما هذا؟ قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره (لا يضره)، قال: فأبيت إلا أن أتبعه. فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت في أثره. فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني، وأنه ظاهر. قال: فناديت القوم: فقلت: أنا سراقة بن جعشم: أنظروني أكلمكم، فو الله لا أريبكم، ولا يأتيكم مني شيء كرهونه. قال: فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأبي بكر: قل له: وما تبتغي منا؟ قال: فقال ذلك أبو بكر، قال: قلت: تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك. قال: اكتب له يا أبا بكر. قال: فكتب لي كتابًا في عظم، أو في رقعة، أو في خزفة، ثم ألقاه إلي، فأخذته، فجعلته في كنانتي، ثم رجعت، فسكت فلم أذكر شيئًا مما كان حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وعليه فمفاجأة سراقة ما كان بتوقعه أبوبكر ولولا عناية الله وحفظه لنبيه فماذا كان سيحدث؟.
وأخيرًا: كما ورد في (الهادي والمهتدي، ص: 115): (رحمك الله أبا بكر، كنت إلف رسول الله، وأنسه ومستراحه، وموضعًا لسره ومشاورته، وأول القوم إسلامًا، وأخلصهم إيمانًا، وأشدهم يقينًا، وأخوفهم لله، وأعظمهم غنى في دين الله، وأحوطهم على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأحدبهم على الإسلام، وأيمنهم على أصحابه وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقبًا، وأكثرهم سوابقًا، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأقربهم من رسول الله ـ رضي الله عنه ـ مجلسًا، وأشبههم به هديًا وخلقًا وسمتًا وفعلًا، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله خيرًا).. ونلتقي لنكمل إن شاء الرحمن.
محمود عدلي الشريف ✽
[email protected]