■ قال أن لدينا إرث تاريخي طويل يشكل أرضية خصبة لطرح أي موضوع■ مطربو الوطن العربي نقلوا أحاسيس الشعب العربي فرحا وحزنا■ الكتب هي من رسمت سيرورة حياتي وصبغت جدران قلبي بالعشق حاوره ـ خالد بن خليفة السيابي:حوارنا مع الشاعر العماني محمد الصالحي الذي يعشق تفاصيل القصيدة وتبحر مملكته الأدبية والفكرية في بحور الحرف والمفردة، فذائقته تشكلت على أم كلثوم وعبد الحليم ونجاة وهاني شاكر و فيروز عربيا، وعبدالكريم عبد القادر وأحمد الجميري وخالد الشيخ ومحمد عبده وعبادي وطلال مداح ونوال والرويشد وميحد حمد خليجيا، وسالم علي ومحفوظ سعيد وسالم الصوري وموزة خميس والمقيمي محليا وغيرهم، تطرق إلى محاور متعددة ، مؤكدا أن الحركة الأدبية فـي عمان جاءت من العدم ومن المجهول، وتناول قصة اصدار كتابه (الخضراء لؤلؤة النهار وتغريبة المساء) الصادر عن الجمعية العمانية للكتاب والادباء.- في بداية الحديث نقترب من علاقتك بالقصيدة الشعرية وكتابتك لها في مواضع شتى.. كيف تصف لنا هذه العلاقة؟البدايات كانت خجولة جدا، وكنت من عشاق الفصحى وحفظ الشعر العربي القديم والحديث بما يناسب التشكل الفكري والجسدي للإنسان، ولكن سماع الأهازيج الشعبية وخاصة فن الرزحة في منطقتنا ساعد بشكل أو بآخر في معرفة اللون الآخر للشعر، ومن ثم جاءت الأغنيات والتي معظمها بالشعر الشعبي لتلك الدولة بدءا من أم كلثوم و كلمات بيرم التونسي أو عبدالحليم حافظ وكلمات عبدالرحمن الأبنودي وغيرهم كثر.- وهل تعتقد إن القصيدة الشعبية في سلطنة عُمان لا تزال تحتفظ بوهجها الذي عرفت به لفترة تمتد لأكثر من 30 سنة ماضية؟الوهج الشعري كحال الوهج الناري الحقيقي يحتاج لمكونات الاشتعال من حطب قابل للاشتعال و أداة اشتعال و مشعل، كذلك الشعر وتوهجه يحتاج لرعاية فالشاعر الجيد لا تخلو الساحة من وجوده، فالشعر مشاعر تتواجد في ذات الإنسان متى ما وجد الباعث لاخراجها في شكل شعري خرجت بذات القالب، ومتى ما أرادها في قالب أدبي آخر خرجت مقالا أو قصة أو رواية أو شكلا أدبيا معبرا عن فكر صاحبه، لذلك الساحة العمانية كحال الساحات العربية والخليجية، فجميعنا يحس بأن هناك خفوتا في الشكل الشعري، ولكن الحقيقة هي خفوت عام يطول كل مناحي الأدب، والقصيدة جزء لا يتجزأ من هذا السياق، ولعل القارىء يتساءل عن الاسباب وتلخيصها يبدو مجحفا بعض الشيء ولكن لابد من تشريح جسم الحالة الأدبية، وربما أرى أن الاقتصاد هو السبب الأول، فالدول التي تحقق فائضا اقتصاديا تتوجه لترقية فنونها وآدابها وعلى نقيض ذلك تموت في الدول التي تعاني من ضائقات مالية الفنون، والآداب، والرياضة وتصبح حياة التقشف هي من تسير الواقع، فالكل كان يرى الملاحق الشعرية في عمان بشكل أسبوعي والمجالس الشعرية التي يتبناها بعض المهتمين ومسابقات المنتدى الأدبي ومهرجان الشعر العماني وغيرها وفي المقابل المجلات الشعرية التي تتغنى كل دولة بمحتوى مجلتها، جميع تلك الملاحق و المسابقات والمجلات أغلقت وبقت مسابقات بسيطة ترعاها هيئات الاتصالات باسم الدول.- في السياق ذاته أنت قريب جدا من روح القصيدة الغنائية في منطقة الخليج ومسكون أيضًا بوقع الأغنية العربية شعرًا ولحنًا، من وجهة نظرك إلى أي مدى كانت تلك القصيدة أداة تضميد لجراح شعوبها وآمالهم وأحلامهم؟ كيف تراها اليوم ؟مطربو الوطن العربي نقلوا أحاسيس الشعب العربي، فرحا و حزنا، فالمتتبع قديما يرى أن الأغنية ترافق التطور والحياة بشكل خاص، فالإنسان ابن بيئته، فنجد الأغاني الوطنية جاءت مع فترة الاستقلال الوطني في فترة الخمسينيات، فالجو في ذلك الوقت كان تعبويا وجهاديا ضد الاستعمار، ثم جاءت فترة الحزن والانكسار بعد ٦٧ وأصبحت ثيمة للعربي الذي انكسر في أحلامه و في مبتغاه، لذا صارت الأشعار تكتسي بالطابع الحزين أكثر من الطابع الفرائحي وهذا كان في الأقطار البعيدة عن عمان التي كانت مسيجة بسياج العزلة، ثم جاءت حقبة السبعينات وما بعدها وتحررت عمان فكرا وأرضا، وأصبح العماني يشاهد التليفزيون ويقرأ الجرائد ويسمع الأغنيات بكل أشكالها من محلية وخليجية وعربية وعالمية، الشاعر يكتب الحدث والملحن يلحن الحدث والمغني يؤدي الحدث والمستمع يتراءى له الحدث، فإما يبكى حزنا أو يضحك فرحا وفق ما شكله ثلاثي الإبداع الشاعر والملحن والمغني .- ما الذي لا يزال يدهشك بحقيقة صوته وحضوره من أصحابها وروادها؟أنا من عشاق القديم، فذائقتي تشكلت أولا على أم كلثوم وعبدالحليم ونجاة وهاني شاكر و فيروز عربيا، وعبدالكريم عبدالقادر وأحمد الجميري وخالد الشيخ ومحمد عبده وعبادي و طلال مداح ونوال والرويشد وميحد حمد خليجيا، وسالم علي ومحفوظ سعيد وسالم الصوري وموزة خميس والمقيمي وغيرهم محليا، ولازلت استجمع ذكرياتي وذكريات زمان عند سماعي لأي من هؤلاء.- من حيث التأليف والنشر لك كتاب بعنوان (الخضراء لؤلؤة النهار وتغريبة المساء) الصادر عن الجمعية العمانية للكتاب والادباء، ماذا أردت أن تقول في هذا الكتاب؟ في تصورك كيف حضرت خضراء السويق لأجل مفردات الكتابة لديك؟(الخضراء لؤلؤة النهار و تغريبة المساء) جاء هذا الكتاب بعد سنين من البحث والكتابة فهو يحمل الكثير من روحي للمكان ومن الكثير من التاريخ المروي للمنطقة، استطاع الصحفي (فيصل العلوي) أن يجمع ما أنشره في صفحتي على الفيسبوك ويشكل منه كتابا سيبقى ذاكرة للمنطقة ولأهلها ولعاداتها وتقاليدها وذاكرة للأجيال التي ستبحث عن المكان الذي دارت حوله تلك القصص وتلك الأساطير، لقد مر الكتاب بفترات صعبة منها توقف الحياة أثناء جائحة كورونا وكذلك وجود صور شبه رديئة لا تصلح للنشر وهي مرتبطة ارتباطا جذريا بالنص، ولكن ولله الحمد تمت تسوية الأمور ويجب بدوري أن أشكر الجمعية العمانية للكتاب والأدباء على تبنيها طباعة الكتاب .- مما لا شك فيه أن التطور التقني لحق بكل وسائل الأدب محليًا وعالميًا وأثر في إعادة بناء ذلك بأشكال متعددة، فقد تم تطويع القصيدة والقصة القصيرة وغيرها من صنوف الثقافة لأن تصل ضمن قوالب محددة للقارئ، في تصورك إلى أي مدى خدم ذلك الأدب ؟ وما مدى تأثيره بشكل سلبي ولوعلى المدى البعيد ؟نتذكر المسلسلات القديمة التي كانت تناقش بعض الأشياء التي استجدت على المجتمع مثل دخول جهاز الفيديو وتم وصفه بأنه يحرق الوقت ويؤدي إلى تشتت عقلية الطلاب وغيرها من الأمور، الآن من ألف ذلك المسلسل وناقش قضايا الفيديو وقضايا التيلفون الثابت ماذا سيقول اليوم، التطور التقني طوفان إما أن تسايره وفق رؤاك وعاداتك وتقاليدك وإما أن يغرقك، لن يسلم القديم الذي تربينا عليه، إن نحن أغلقنا بيوتنا بشكل لا يسمح لضوء الشمس بالدخول، ولكن يجب علينا مواكبة التقدم بعد أن نحصن أجيالنا بكل مقدساتنا تحت مبدأ لا ضرر ولا ضرار.- المتتبع لإرثك الأدبي يجد انك قارئ مميز، ولك علاقة رائعة بالكتاب وخاصة مع الأدب السردي، في هذا السياق وكونك مبدعا كيف رصدت أدبيات السرد في سلطنة عُمان؟ من يدهشك من كتّابه؟ وإلى أي مدى هذا السرد قريب من حقيقة الواقع المعاش الذي نحن في خضمه؟القراءة هي شكل من أشكال الوعي الذي أدين به لمعلمي الأول المرحوم والدي الذي ما أن فتحت عيناي على الدنيا، وجدت معه بعض الكتب وإن كان أكثرها ذا صبغة دينية، ولكن هذه الكتب هي من رسمت سيرورة حياتي وصبغت الكثير من جدران قلبي بالعشق للكتاب، حتى أصبح الكتاب رفيق حياة، والحركة الأدبية في عمان جاءت من العدم و من المجهول، برغم وجود أدباء و كتاب لهم سمعتهم أمثال الأستاذ عبدالله الطائي وغيره، إلا أن عمان لا تعرف أديبا مقارنة مع جيرانها دول الخليج، الآن وبكل فخر أصبحت عمان تصدر فوق المائة عنوان سنويا في كل مجالات الثقافة، بكل تنوعها وليس بخافي للجميع فوز رواية (تغربية القافر) للكاتب زهران القاسمي بالبوكر العربية وقبلها دخول رواية دلشاد للقائمة القصيرة و قبلها رواية المرحوم الدكتور عبدالعزيز الفارسي (تبكي الأرض يضحك زحل) وفوز الدكتورة جوخة الحارثية كأول كاتبة عربية تفوز بجائزة المان بوكر عن روايتها (سيدات القمر) وبالتالي تمت ترجمة الكثير من الروايات العمانية للغات عالمية مما أدى إلى تعرف العالم بثقافة وأدب عمان، القارىء لا يميل لاسم معين بقدر ما يميل لتنوع الأفكار، فكل كتاب يحمل فكر وثقافة كاتبه و للأمانة أقرأ كل كتاب يقع بين يدي و بدون مواربة أرى أن الكاتب العماني قد تخضبت أفكاره بالثقافة و حاول أن ينقل رؤاه وإبداعه بين دفتي كتاب لأن العماني يعرف جيدا أنه يجلس تحت إرث تاريخي طويل يشكل له أرضية خصبة لطرح أي موضوع في أي سياق أدبي يراه .- من أجل الشعر والحياة تربطك علاقة وثيقة بالشاعر العماني صالح الريسي والذي وصف ذات مرة بالشاعر الذي يمشي على الماء، نقترب من هذه العلاقة وتأثيرها على مستوى القصيدة ومشوار حياتكم الأدبية؟ وبعد هذا العمر ماذا يقول الصالحي عن الريسي في شأن الشعر الشعبي؟بعد 32 سنة من اللقاء الأول مع الشاعر صالح الريسي، تخونني الكلمات بعد أن مضى أجمل العمر، أن تلتقي وأنت في مقتبل العمر وتقيم الرحلة وأنت في آخر مراحل الشباب يصبح التقييم جنائزيا بشكل أو بآخر، الشاعر صالح الريسي كما التقينا في ٩٢ لازال بذات الطيبة والأخلاق والتواضع الجم، أما عن شاعريته، فكيف لي أن أقيم شاعرا يعد من القلائل على مستوى الخليج، وعندما أقول من القلائل لأني أعرف كيف يكتب القصيدة أو كيف تكتبه القصيدة ! صالح الريسي من الشعراء الذين لا يملكون سوى القصيدة لذلك تجده يمشي على الأرض وكأنه يمشي على الماء من شدة القلق على القصيدة، وبطبيعتي أعتز بالعلاقات الأخوية التي تربطني بالكثير من الشعراء و الأدباء في سلطنة عمان.- ماذا سنقرأ قريبًا للكتاب والشاعر العماني محمد بن صالح الصالحي؟هناك رسالة استكمال مقرر ماجستير بالإضافة لمجموعة قصصية في طور استكمالها.