في أعمال قمَّة فلينوس الأخيرة لحلف الناتو، كان الأمين العام لحلف الأطلسي (ينس ستولتنبرج)، ومعه الرئيس الأميركي جو بايدن أصحاب المواقف السياسيَّة ومفرداتها الصَّارخة ضدَّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وروسيا ككُلٍّ.
القمَّة، كان على جدول أعمالها عدَّة ملفات، أهمُّها بالتأكيد الجبهة الروسيَّة الأوكرانيَّة، واستمرار المواجهة المشتعلة هناك، وسعي واشنطن لإدامتها، من خلال حثِّ دوَل الحلف على تقديم الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، ومواجهة روسيا سياسيًّا في الميدان الدولي. فجدَّد الحلف في ختام أعمال القمَّة وبتأثير من واشنطن موقفه المُعلن ضدَّ روسيا، وحدّدت أعمال القمَّة «أنَّ جمهوريَّة الصين الشَّعبيَّة كحالة صاعدة تصطف إلى جانب موسكو، ومعهما بيلاروسيا وإيران». وأفضت القمَّة في جانب مِنها إلى تقديم تعهُّدات برُزَم جديدة من المساعدات العسكريَّة والماليَّة، كان أبرزها تعهُّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتزويد الجيش الأوكراني بصواريخ كروز بعيدة المدى (250 كم). كذلك تعهُّد برلين بتقديم مساعدات جديدة قِيمتها 700 مليون يورو تتضمن بطاريتَي صواريخ باتريوت والمزيد من الدَّبابات والمَرْكبات المدرَّعة. وكان الأميركيُّون قَدِ استبقوا القمَّة بإعلانهم عن مدِّ أوكرانيا بذخائر عنقوديَّة يُمكِن إطلاقها بالمدفعيَّة أو من الطائرات على الرّغم من كونها أسلحة محرَّمة دوليًّا. وذلك وفق ما ورد من نتائج مُعلَنة تمَّ الإفصاح عَنْها. التعهدات من قِبل بعض دوَل الناتو بتقديم مساعدات عسكريَّة وماليَّة لأوكرانيا، يبدو أنَّها تمَّت عمليًّا تحت الضغط الأميركي؛ لأنَّ العديد من دوَل الغرب الأوروبي بدأت تتململ من المواجهة إيَّاها، وتدرك بأنَّ الحلَّ السِّياسي هو الأفضل والأشمل، والذي يقي الأوروبيين عواقب مواجهة ضروس ستدفع أوروبا أثمانها الغالية جرَّاء استمرار الشَّحن العدائي والتسعير على استمرارها.
عمليًّا، الاختراق الأساسي والمُهمُّ الذي حصل في أعمال القمَّة، تَمَثَّل بقَبول مملكة السويد وضَمِّها إلى الحلف بعد فترات طويلة من إبداء رغبتها بالانضواء تحت علَم حلف الناتو، لكنَّها كانت تواجَه بالموقف التركي الرافض، بعد سحب كُلٍّ من تركيا وهنجاريا تحفظاتهما على ذلك الأمْرِ. وقَبِلت بتسليم لاجئين سياسيين إليهما تطالب بهم تركيا، لا سيَّما مقاتلين سابقين في حزب العمَّال الكردستاني الذي يقوده عبد الله أوجلان حتى من داخل سجنه في تركيا (حزب بي كي كي). وعليه أصبحت مملكة السويد العضو رقم 32 في الناتو بعد أشْهُر قليلة على قَبول عضويَّة جارتها الاسكندنافيَّة فنلندا منذ (إبريل/ نيسان 2023). فيما نالت أوكرانيا وعدًا بالعضويَّة الكاملة في حلف الناتو، في وقت ما، دُونَ موعدٍ مُحدَّد، مع تسهيل إجراءات الانضمام، وذلك تحت ضغط واشنطن، التي تُدرك أنَّ انضمام أوكرانيا للحلف أثناء الحرب يفتح تلقائيًّا باب صراع مباشر ومكشوف بَيْنَها وبَيْنَ موسكو وعلى الأرض، وهي لا تريد الدخول في هذا الباب.
فالجانب الأميركي، مؤيَّدًا من ألمانيا، عمل على كبح جموح دوَل شرق أوروبا وبحر البلطيق الداعية إلى ضمِّ أوكرانيا بصفة عاجلة، إذ إنَّ ذلك سيدخل ليس الولايات المُتحدة فقط، بل وحلف الناتو تلقائيًّا كطَرفٍ مباشر في الصراع مع روسيا.
علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك
[email protected]