تناولنا في الجزء الأوَّل والثاني تحليل ومناقشة أربعة محاور أساسيَّة تُسهِّل تنفيذ خريطة طريق لقِطاع الإعاقة بسلطنة عُمان، وتركنا محور «رفع مستوى الوعي الاجتماعي بقضايا الإعاقة بجهود كُلِّ مُكوِّنات الدولة والمُجتمع المدني.» ولعلَّنا تعمَّدنا تركه إلى هذا الجزء الثالث؛ لِمَا يتطلَّبه من مساحة نسبيًّا كبيرة للتفصيل والتحليل والمناقشة.لعلَّ أولى ركائز رفع مستوى الوعي الاجتماعي بقضايا الإعاقة هو النَّجاح في إبلاغ الرَّأيِ العامِّ بالتوجُّهات العالميَّة في الفترة الأخيرة من العزوف عن الاكتفاء بالنموذج الطبِّي والتعريفات الطبيَّة للإعاقة، والتي سيطرت على القِطاع خلال العقود الأخيرة، والتي تعني أنَّ مفهوم الإعاقة يقوم بالأساس على نتيجة التشخيص الطبِّي المُحدّد لخللٍ ما عضوي أو عقلي يجعل الفرد يعيش حياة مرتبط بمساعدة طرف ثانٍ كان بشَرًا أو جهازًا، ويكُونُ الشَّخص ذو الإعاقة غير قادر على العيش باستقلاليَّة تامَّة، كمثال على ذلك الشَّخص المُصاب بمَرضٍ تولَّدت عَنْهُ إعاقة حركيَّة تحدُّ من المَشي لدَيْه وتتطلَّب مساعدته بجهاز مُساندٍ أو كرسي متحرِّك أو مساعدة شخصٍ آخر.حاليًّا تتوجَّه الدوَل والمختصُّون في الإعاقة إلى اعتماد النموذج الاجتماعي عوضًا عن النموذج الطبِّي، فمن هذا المنظور الجديد أصبحت الإعاقة جزءًا من الحالة الإنسانيَّة نتيجة «التفاعل بَيْنَ الأشخاص ذوي القصور وبَيْنَ المُعوِّقات البيئيَّة والمتعلِّقة بالمواقف التي تحُولُ دُونَ مشاركتهم بشكلٍ كُلِّي وفعَّال في المُجتمع على قدَم المساواة مع الآخرين، وهكذا يتمُّ اليوم تسليط الضوء على الأشخاص ذوي الإعاقة؛ باعتبارهم أشخاصًا قابلين للتطوُّر، لا أشخاصًا يحتاجون إلى الرعاية وذلك بفضل ما تؤكِّده المقاربة القائمة على حقوق الإنسان.عمليًّا يتطلَّب مِنَّا نشْرُ هذا الوعي الجديد تنسيقًا دائمًا بَيْنَ وزارة التنمية الاجتماعيَّة ووزارة الإعلام؛ بهدف إيجاد فضاءات إعلاميَّة بصريَّة وسمعيَّة ومقروءة دوريَّة أسبوعيًّا تقوم على توضيح النموذج الجديد ونَشْره ما أمكَن.لا يفوتنا بأن نذكُرَ ما لاحظناه من حُسن توظيف لموقع وزارة التنمية الاجتماعيَّة على شبكة الإنترنت وتنشيطها بوَمَضات توعويَّة قصيرة وجذَّابة توعويَّة بخصوص الإعاقة والطفولة وهذا ما يُذْكر فيُشْكر.الركيزة الثانية يجِبُ أن تتمحورَ حَوْلَ «بطاقة شخص معاق»، فقَدْ لاحظتُ ـ من خلال فترة الست عشرة سنة من أوَّل تاريخ لإصدارها بالسَّلطنة ـ تُحقِّق إقبالًا مُهمًّا ليتجاوزَ عددها هذه الأيَّام الأربعين ألفَ بطاقةٍ، وهو مؤشِّر إيجابي يُسهِّل على المختصِّين التخطيط الاستراتيجي السَّليم، ويدعم حُسن اتِّخاذ القرار لدى المسؤولين. ولكن لا بُدَّ علينا مزيد العمل على رفع مستوى وعي الجمهور لا بأهمِّيته البحثيَّة والتخطيطيَّة فحسب، بل بالأهمِّية التي تجدها «بطاقة شخص معاق» بكونها «بطاقة هُوِيَّة» تعلم الدولة بوجود شخص ذي حالة تتطلب الانتباه السريع له، وتوفير كُلِّ سُبل الراحة من خدمات خاصَّة ومساندة لا مشروطة، درجة الوعي هذه لدى أولياء الأمور خصوصًا ترقى إلى صفات المواطنة الحقيقيَّة.كُلُّ ذلك يُمكِن دعمُه بحلقات النقاش والملتقيات المكثَّفة بالأشخاص ذوي الإعاقة لِتكُونَ ضِمْن الأنشطة المقرة لوزارة التنمية الاجتماعيَّة ومُكوِّنات المُجتمع المَدَني الناشط في المجال.الركيزة الثالثة تخصُّ رفع مستوى الوعي الاجتماعي بأهمِّية الأجهزة والمُعِينات التي تصرفها الدولة لِمَن يحتاجها من ذوي الإعاقة. فلا شك أنَّها مكلفة جدًّا، ووجَبَ حثُّ المواطنين على حُسن استعمالها من جهة وتسليمها للوزارة في حالة الاستغناء عَنْها لأيِّ سببٍ كان، وهذا ما سيجعلها ـ وبعد التأكُّد من صلاحيَّتها ـ تنفع شخصًا آخر في حاجة لها. فلا بُدَّ من الشروع في بثِّ وَمَضات توعويَّة عَبْرَ موقع وزارة التنمية الاجتماعيَّة ووسائل الإعلام المختلفة.لا ننسى أيضًا أنَّه على وزارة التنمية الاجتماعيَّة تكثيف جهودها لدعم البحث والبحث العلمي في مجال الإعاقة عَبْرَ إنشاء «ركن الإعاقة الوطني»National Disability Corner « يكُونُ ثريًّا بكُلِّ الكتُب والمجلَّات المختصَّة بالإعاقة تضبطه آليَّة الاستعارة المنزليَّة، فيكُونُ للكُلِّ فرصة استعارة هذه المراجع والمجلَّات للاطلاع والبحث ثمَّ الإرجاع، وكخطوة سريعة بالإمكان تخصيص مكتبة مبنى عام الوزارة الحالي.في ختام هذا العمل المتواضع، أعترف بأنَّه ليس بالإمكان ضِمْن المقالات الثلاثة هذه تغطية كُلِّ الجوانب التي ستُساعد سلطنة عُمان على أن تكُونَ رائدة دوليًّا في مجال الإعاقة، إنَّما كانت الخطوط العريضة التي يُمكِن التركيز عليها، خصوصًا في ظلِّ ما تُبديه القيادة الحكيمة لمولانا جلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ وحكومته الرشيدة من اهتمام كبير للمواطن العُماني وضرورة ضمان أسباب الرَّفاه الكامل والمستدام، وخصوصًا لأبناء الوطن الذين لسببٍ أو آخر انضمُّوا إلى مجموعة «الأشخاص ذوي الإعاقة».زوهير بن الحبيب بن عياد بن يحيىخبير شؤون الإعاقة[email protected]