شهور من التحريض على المخيَّم، بدأ جيش الاحتلال «الإسرائيلي»، فجر يوم 3/7/2023، عدوانًا على مخيَّم جنين، المخيَّم الذي لا تتعدَّى مساحته كيلومترًا واحدًا، دافعًا إليه أسراب من الطائرات المُسيَّرة والطائرات الحربيَّة، ومئات الآليَّات العسكريَّة الثقيلة من جيبات ومجنزرات وجرافات. وكشفت مصادر «إسرائيليَّة» أنَّ العمليَّة العسكريَّة الأخيرة ضدَّ مدينة جنين وريفها ومخيَّمها بدأها جيش الاحتلال عمليًّا منذ آذار/مارس 2022 وأطلق عليها مُسمَّى «كاسر الأمواج».لقد استشهد أكثر من اثني عشر فلسطينيًّا، وأصيب أكثر من خمسين مواطنًا في نهاية اليوم الأوَّل من العدوان، وتمَّ جرف أجزاء من مخيَّم جنين بالبلدوزرات باستخدام جرَّافات (D9) العملاقة لهدم المنازل الواقعة على مداخل المخيَّم، وكُلُّ ذلك على يَدِ كيانٍ مسلَّح من أسفل قدَمَيْه حتى أعلى رأسه في مواجهة الشَّعب الفلسطيني الأعزل، الصامد بالبقاء فوق أرض وطنه التاريخي وهو يقاوم بالوسائل الممكنة وبجسده شِبه العاري.الجديد في الأمْرِ أنَّ الاحتلال استخدم ويستخدم في عدوانه أعلى صرعات تكنولوجيا القتل والتدمير، بما في ذلك الطائرات الصغيرة المُسيَّرة (الدرونات) التي تحمل القنابل وتسقطها فوق رؤوس الناس، وصولًا لاستخدام المروحيَّات التي تُطلق الصواريخ على منازل ومبانٍ داخل مخيَّم جنين، بَيْنَما شرعت جرَّافات عسكريَّة ضخمة بأعمال تجريف وتدمير مداخل المخيَّم.إنَّ قوات الاحتلال شنَّت وتَشنُّ عمليَّة عسكريَّة في جنين هي الأكبر منذ العمليَّة العسكرية المُسمَّاة بـ»السور الواقي» عام 2002. تلك العمليَّة الواسعة التي قال عنها الجنرال شاؤول موفاز، رئيس أركان جيش الاحتلال آنذاك: «إنَّ جنين لَنْ تقومَ لها قائمة أبدًا»، وقد دفعت قوَّات الاحتلال بلواء كامل يتراوح عديده ما بَيْنَ أربعة آلاف، إلى سبعة آلاف من نخبة جيش الاحتلال والوحدات الخاصَّة من مِثل (مجيلان) و(دوفدوفان) و(إيجوز) وغيرها، إلَّا أنَّ السنوات التي تلت تلك المعركة أثبتت فشل الاحتلال في مهمَّته، إذ بقي المخيَّم صامدًا، وقادرًا على توليد المقاومة بكُلِّ أشكالها. وتمَّ خلال تلك المرحلة حصار كامل الضفَّة الغربيَّة واجتياح المُدُن ومحاصرة الرئيس الشهيد ياسر عرفات واستشهاده اللاحق على أثَرها وهو على رأس المقاومين في مقرِّه المحاصر في المقاطعة في رام الله.العمليَّة الأخيرة، والتي استهدفت بشكلٍ رئيس مخيَّم جنين، والتي نحن بصددها، تمَّ التخطيط لها منذ عام وفق مصادر الاحتلال، وتمَّت الموافقة على تنفيذها قَبل نَحْوِ عشرة أيَّام من قِبل نتنياهو والجنرال وزير الأمن يواف جالانت وقيادة جيش الاحتلال. وكان من الدافعين لها (جهاز الشاباك/الأمن الداخلي) مع تحفُّظ قيادة جيش الاحتلال خشية من انعكاساتها على «إسرائيل» ذاتها، وانفلات الأمن بوجهها.حكومة نتنياهو أرادت في عدوانها الأخير على مدينة جنين ومخيَّمها، توجيه رسالة مباشرة وبقوَّة النار على الأرض للفلسطينيين، وفيها تهديد واضح باجتياح كامل مُدُن الضفَّة الغربيَّة، خصوصًا نابلس وطولكرم والخليل وصولًا لرام الله، ووأد «حلِّ الدوَلتَيْنِ» رسميًّا وإعلان موته، وإغلاق طريق الشَّعب الفلسطيني في كفاحه من أجْل أهدافه المشروعة في الحُريَّة والاستقلال. لكنَّ قدرَ الفلسطينيين أن يبقوا ثابتين وراسخين على أرض وطنهم، كما هو وقع الحال في الضفَّة الغربيَّة والقِطاع والقدس والداخل المحتل عام 1948. علي بدوانكاتب فلسطينيعضو اتحاد الكتاب العربدمشق ـ اليرموك[email protected]